التعليم… البوابة التي يحاول الكيزان العبور منها مجددًا محاولات إعادة إنتاج المشروع الإسلاموي عبر المناهج
مؤيد الأمين

بقلم مؤيد الأمين
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، وبينما يعيش المواطن واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والتعليمية، تتحرك حكومة الأمر الواقع المتكئة على بقايا التنظيم الإسلاموي لإعادة صياغة واحد من أخطر ملفات الدولة: ملف التعليم والمناهج.
هذا الملف الذي ظل لعقود ساحة نفوذ للإخوان المسلمين “الكيزان”، يحاولون اليوم استعادته باعتباره بوابة مناسبة للعودة إلى المشهد السياسي، بعد أن لفظهم الشارع السوداني ورفض مشروعهم الأحادي الذي دمّر الدولة وأدخلها في أتون الحرب الحالية.
محاولة جديدة بوجه قديم
قرار ما يسمى باللجنة العليا لمراجعة المناهج باعتماد وثيقة 2013 كقاعدة “مناسبة للتطوير” ليس خطوة إدارية كما حاولت السلطات تصويرها، بل خطوة سياسية ذات رسائل واضحة: إعادة إنتاج المشروع القديم بغطاء تقني وتربوي.
فالوثيقة التي وُضعت عام 2013 لم تكن يومًا مشروعًا تربويًا، بل كانت جزءًا من هندسة اجتماعية صمّمها المؤتمر الوطني لإعادة تشكيل وعي الطالب السوداني وفق رؤيته الأيديولوجية. كانت مناهج قائمة على التلقين، وعلى تهميش التنوع، وعلى صناعة جيل تابع لا يمتلك أدوات النقد أو التفكير الحر.
اليوم، حين تعود هذه الوثيقة للواجهة، لا يمكن تفسير الأمر إلا بمحاولة إعادة تدوير المشروع الإسلاموي وإعادته للحياة عبر بوابة التعليم، البوابة الأخطر والأكثر تأثيرًا في تشكيل مستقبل البلاد.
لماذا التعليم؟
يعرف الكيزان قبل غيرهم أن من يملك سلطة المناهج يملك مفاتيح تشكيل الوعي.
توثيق التجربة الطويلة مع حكم الإسلاميين يُظهر أنهم اعتمدوا على ثلاث ركائز أساسية لضمان بقائهم:
1. التمكين الاقتصادي
2. الاختراق الأمني والعسكري
3. السيطرة على التعليم والمناهج
وإذا كانت الحرب قد أنهكتهم اقتصاديًا، وارتباك السلطة الانتقالية أربك قدرتهم على التغلغل الأمني الكامل، فإن ملف التعليم يبدو بالنسبة لهم أرضًا رخوة يمكن اقتحامها بقرارات فوقية، خصوصًا في ظل فراغ الشرعية وشلل المؤسسات الوطنية.
اللجنة… تكوين يكشف النوايا
من يتأمل تشكيلة اللجنة الحالية يلاحظ بسهولة أنها امتداد مباشر لذات المجموعة التي صاغت مناهج 2013.
وجوه قديمة، انتماءات واضحة للمؤتمر الوطني، وشخصيات ذات سجل معروف في تسييس المناهج.
غياب الكفاءات التربوية المحايدة يفضح الغرض الحقيقي: المسألة سياسية وليست علمية.
هذا التكوين غير المحايد ينسف أي حديث عن “تطوير”، ويحوّل المسألة إلى عملية استعادة نفوذ، لا إلى عملية إصلاح تربوي.
بيئة لا تصلح لتطوير حقيقي
السودان يعيش اليوم على حافة الانهيار التعليمي:
ملايين الطلاب خارج مقاعد الدراسة
مدارس مدمرة
معلمون بلا رواتب
نزوح واسع
انعدام كامل للاستقرار
في مثل هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري للمناهج إلا بعد تحقيق شرطين أساسيين:
1. وجود شرعية سياسية تمنح القرار وزنه الوطني
2. إجراء مشاورات مجتمعية واسعة تشمل الخبراء والمعلمين والمجتمع المدني
لكن حكومة الأمر الواقع تعمدت القفز فوق هذه الشروط، لتعلن عن قرار خطير منفردة، في خطوة تتجاوز الشعب وتتجاوز المؤسسات المهنية.
وثيقة 2013… لماذا لا تصلح أساسًا للتطوير؟
حتى على المستوى التربوي الخالص، وثيقة 2013 لم تعد صالحة للزمن ولا للسودان اليوم.
فهي تعتمد على مناهج:
تقوم على الحفظ لا الفهم
تعزل الطالب عن واقعه الاجتماعي والثقافي
تضعف قدراته التحليلية والبحثية
وتحرم المعلم من دوره الحديث كمرشد وميسر للعملية التعليمية
بل إنها جاءت في سياق سياسي كان النظام يستخدم فيه التعليم لتبرير مشروعه الأيديولوجي، لا لبناء إنسان قادر على الإبداع والمشاركة في التنمية.
إعادة تقديم هذه الوثيقة باعتبارها “شاملة ومتطورة” هو تزوير للواقع التربوي، ومحاولة لتلميع مشروع انتهى شعبياً وانكشف مهنيًا.
السودان يحتاج إلى منهج جديد… لا إلى ترميم القديم
مستقبل البلاد يحتاج إلى رؤية تعليمية حديثة، منهج يواكب عصر المعرفة، ويحترم التنوع، ويؤسس لمجتمع ديمقراطي يؤمن بالمواطنة وحقوق الإنسان.
منهج يحرر عقل الطالب بدل أن يقيده، ويعزز التفكير النقدي بدل تكرار النصوص، ويرتبط بحاجات التنمية المستدامة بدل أن يخدم مشروعًا سياسيًا منتهي الصلاحية.
وهذا لا يمكن أن يتحقق عبر لجان مرتبطة بتنظيم سياسي، ولا عبر امتداد بيروقراطي للنظام البائد، بل عبر عملية وطنية واسعة تشارك فيها كل قوى المجتمع.
لماذا يجب أن نقول: لا؟
قول “لا” لعودة مناهج 2013 لا يعني فقط رفض قرار تربوي، بل يعني رفض عودة عقلية كاملة حكمت البلاد ثلاثين عامًا، وأنتجت الخراب والحروب والفشل الذي نعيشه اليوم.
إن معركة التعليم ليست معركة فنية… إنها معركة وعي.
لذلك يصبح الدفاع عن المناهج الحديثة دفاعًا عن مستقبل السودان، لا عن مادة دراسية أو كتاب مدرسي.
الخلاصة: التعليم خط أحمر
إن ما يقوم به الكيزان اليوم ليس سوى محاولة متجددة لإعادة التمكين باسم “التطوير”.
لكن الشعب السوداني، ومعه لجان المعلمين والقوى المهنية، يدرك أن المسألة أكبر من مجرد ورقة منهج أو لجنة مراجعة.
التعليم هو مستقبل البلاد… ومن يعبث بالمستقبل يجب أن يواجه بالرفض الشعبي والمهني والسياسي.
وإذا كانت الحرب قد دمّرت كثيراً من مؤسسات الدولة، فإن الدفاع عن التعليم هو خط الدفاع الأخير عن هوية السودان وعن أجياله القادمة.
لا عودة لمناهج الظلام.
ولا عبور للكيزان عبر بوابات التعليم مرة أخرى.




