رأي

العنف الإلكتروني… الخطر الصامت الذي يطارد النساء في الفضاء الرقمي

ياسمين شيخ حماد

 

 ياسمين شيخ حماد 

يأتي اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة هذا العام محمّلًا برسائل أكثر إلحاحًا، إذ اختارت المنظمات الدولية والحقوقية تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وخطورة: العنف الإلكتروني ضد النساء. هذا التهديد الذي نما بصمت، وتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح من أبرز مظاهر الاعتداء على كرامة المرأة وأمنها النفسي والاجتماعي.

لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن العنف الرقمي عنف حقيقي، لا يقل أثرًا ووقعًا عن أي شكل آخر من أشكال العنف التقليدي. وفي عصر يتسارع فيه التطور التكنولوجي وتتمدّد فيه وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للتشهير والابتزاز والتحرش وخطاب الكراهية، إضافة إلى نشر الصور والمعلومات الخاصة دون إذن. كل هذه الممارسات تهدف، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إسكات صوت المرأة، وتجريدها من حضورها، ودفعها إلى الانسحاب من الفضاء العام.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى مؤشرات مقلقة حول ارتفاع نسب الإيذاء والتحرش الإلكتروني ضد النساء حول العالم، مع تأكيد خاص على أن الصحفيات والناشطات والسياسيات هنّ من أكثر الفئات استهدافًا. فكلما ارتفع صوت المرأة، زادت محاولات إخضاعه عبر الهجمات الرقمية المنظمة التي تتجاوز مجرد الإيذاء المعنوي لتصل إلى تهديدات تمس السمعة والسلامة والأمان الشخصي.

وتأتي حملة هذا العام لتضع التصدي للعنف الإلكتروني في قلب أجندة المناهضة العالمية للعنف ضد النساء. فالمعركة اليوم لم تعد مقتصرة على الشارع أو مكان العمل، بل امتدت إلى كل شاشة وهاتف وتطبيق. وتهدف هذه الحملة إلى رفع الوعي بخطورة العنف الرقمي، والمطالبة بتشريعات أكثر وضوحًا وقوة، وضمان مساءلة المنصات الرقمية، وتمكين النساء من أدوات الحماية الرقمية. فغياب الأطر القانونية الصارمة في بعض الدول، وسهولة التخفي خلف الحسابات الوهمية، وتقصير بعض المنصات في التصدي للانتهاكات—كلها عوامل أسهمت في تضخم هذه الظاهرة واتساع رقعتها.

إن الاعتراف بالعنف الرقمي كشكل من أشكال انتهاك حقوق الإنسان هو الخطوة الأولى نحو مواجهته بجدية. كما أن نشر تقارير دورية حول حجمه وتأثيره يمكن أن يسهم في فهمه والتصدي له بفعالية أكبر. فالعنف الإلكتروني ليس قدرًا محتومًا؛ بل ظاهرة يمكن الحد منها—وربما هزيمتها—إذا تضافرت الجهود، وتعزز الوعي المجتمعي، وانتصرت الإرادة الجماعية لكرامة المرأة وحقها في حياة آمنة، داخل الواقع… وفي الفضاء الرقمي على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!