
علي سانتينو
لا شيء يحدث مصادفة حين يتعلق الأمر بجماعة تجيد فعل الظلام، جماعة خبرت التآمر كما خبرت خيانة الأوطان، ومارست التصفيات كما يمارس غيرها الصلاة. سقوط طائرة اليوشين قرب بورتسودان لم يكن حادثاً، هو لطمة فجائية فضحت ما حاولت العصابة إخفاءه تحت ركام الخراب الذي زرعته في البلاد عقودا من السنوات!
الطائرة التي تحطمت بالقرب من مركز التنظيم في بورتسودان، ترددت حولها روايات تتجاوز فكرة عطل فني أو سوء أحوال جوية. الترجيحات والمعلومات الأولية تقول إن الطائرة كانت تقل قيادات رفيعة من التنظيم العسكري الاسلاموي، بالإضافة إلى خبراء وفنيين أجانب، كانوا يحملون على أكتافهم ما تبقى من أحلام الجماعة في العودة إلى السلطة بنيران المسيرات والدعم الخارجي!
ولأن الحقيقة دائماً هي العدو الأخطر لديهم، سارعت خلايا بورتسودان إلى إصدار قائمة محدودة ومبتورة بأسماء ضباط فنيين، محاولةً دفن بقية أسرار الطائرة مع ضحاياها. فماذا تخبئ هذه القائمة الناقصة؟ ولماذا اختفى ذكر القيادات الرفيعة والمهندسين الأجانب؟ هنا، تتجلى سيرة الجماعة التي لا تتغير حين يختلفون يقتلون، وحين يخافون يخفون، وحين تغرق سفينتهم يدفعون ببعضهم قرباناً لينجوا هم!
إن تاريخ هذه الفئة المتكتمة على الدماء شاهد على افعالهم، فقد اعتادوا إدارة خلافاتهم بالرصاص والسم وحرق الطائرات. وكل من يخرج عن الصفّ أو يحمل سراً أكبر مما ينبغي، سيصبح حمولة يجب التخلص منها. وها نحن أمام سيناريو آخر لا يختلف كثيراً عن مسرحياتهم السابقة، حادث طيران يبدو أن خلفه صراع داخلي على من يمسك بمقود الخراب القادم. ولأنهم محشرون في ركن قصي ببورتسودان، يلتهمهم الشك وتنهشهم الخلافات، وصاروا يأكلون بعضهم بلا رحمة. من الواضح ان هذا التنظيم بات يعيش مراحل الانكشاف بعد أن انفضّت عنه التحالفات وتبعثرت أوراقه، وباتت قياداته المتوارية خلف الكواليس تترنح بين الهروب نحو الخارج أو الغرق في رمال الداخل!
فليس غريباً أن تكون طائرة اليوشن التي سقطت تحمل عتاداً وكوادر من دول تُجيد اللعب خلف الستار مثل روسيا وإيران، فكلاهما يبحث عن موطئ قدم في جغرافيا الفوضى السودانية، والإخوان كانوا دائماً السلعة الرخيصة التي تُباع مقابل استمرارهم لحظة أخرى في السلطة، لكن يد الخيانة من داخلهم كانت أسرع واخف. سقطت الطائرة وسقط معها بعض من رأس الأفعى. ومع ذلك، فان السودانيون لا يفرحون كثيراً، لان البقية ما زالت تتنفس وتحلم وتخطط. وما زالوا يظنون أن هذا الوطن أرضٌ سائبة تعود لهم بمجرد إشعال حرب أو تمرير صفقة في ظلام الليل!
وما سقوط اليوشن إلا رسالة من رب السموات والاراضين، لان زمن الاحتماء بالسماء قد انتهى. ومن اختبأ طويلاً خلف الشعارات الدينية المزوّرة لن ينجو من قوة العلي القدير. اليوم، على السودانيين أن يفتحوا أعينهم أكثر على من يصدر القرارات ويتلقى الدعم الخارجي؟ ومن يخطط لحرب تقتل الملايين وتعيد النظام الديكتاتوري إلى الحياة. الجماعة التي دمّرت السودان لعشرات السنين ليست نادمة ولا تريد التراجع. وسقوط طائرة الابادة يفضح أنهم ما زالوا يخططون لابتلاع ما تبقى من البلاد، حتى ولو حملوا معهم خبراء ومرتزقة وأسلحة محرمة، وكأنهم اختصروا شرورهم في تلك الحمولة التي التهمتها النيران!
إن ما حدث ليس نهاية الحكاية بل بدايتها. فالكيان الشرير الذي ينهار يبدأ أولًا بصراع داخلي يقطّع أطرافه حتى يفقد القدرة على الوقوف. وإذا كانت هذه الطائرة هي الضربة الأولى، فمن الارجح ان يكون شعب السودان هذه المرة هو الضربة الأخيرة.




