
عبدالناصر آدم حمزة
تابعنا، كما تابع غيرنا من المواطنين، عبر مختلف الوسائط الإعلامية، القرارات التي أصدرها رئيس مجلس الوزراء بحكومة التأسيس، الأستاذ محمد حسن التعايشي، يوم الخميس الموافق التاسع والعشرين من يناير، والقاضية بتعيين وزير للنفط ووزير للتربية والتعليم. وهي قرارات نرى أنها جاءت في توقيت بالغ الأهمية، بعد انتظار طويل، وتعكس إدراكًا متأخرًا لكنه ضروري لحساسية المرحلة ومتطلباتها العاجلة.
إن أهمية هذه القرارات لا تكمن فقط في شغل مناصب تنفيذية ظلت شاغرة، بل في ما تحمله من دلالات سياسية وإدارية، باعتبارها خطوة عملية نحو استكمال هياكل السلطة التنفيذية، وبناء ملامح دولة التأسيس المنشودة، ودفع مشروع حكومة الوحدة والسلام من حيز الإعلان السياسي إلى واقع مؤسسي ملموس. ومن هنا، فإننا نأمل أن تتبع هذه الخطوة خطوات أخرى أكثر اتساعًا، تشمل استكمال بقية مؤسسات المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، حتى تتشكل حكومة متكاملة قادرة على الاضطلاع بمهامها كاملة دون نقص أو تأخير.
لقد علّق المواطنون في مناطق سيطرة حكومة التأسيس آمالًا عريضة على هذه الحكومة، باعتبارها بديلًا حقيقيًا لسلطات بورتسودان التي يفتقر وجودها للشرعية السياسية والشعبية. هؤلاء المواطنون ينتظرون، بقدر كبير من الصبر والأمل، أن تترجم هذه الحكومة وعودها إلى خدمات أساسية تمس حياتهم اليومية، بعد سنوات طويلة من الحرمان والإقصاء. فالرهان الحقيقي ليس في البيانات والقرارات، وإنما في القدرة على توفير التعليم، والصحة، والأمن، والخدمات الأساسية، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون حقوقه.
إن الشرعية، في جوهرها، لا تُستمد من الاعترافات الشكلية ولا من الخطابات الرسمية، وإنما من إرادة الناس وتأييدهم. وقد عبّر المواطنون بوضوح عن موقفهم حين خرجوا في مسيرات حاشدة ووقفات جماهيرية عمت العديد من مدن السودان، احتفاءً بإعلان حكومة التأسيس. تلك الجموع، التي تابعتها أنظار العالم، تمثل الشاهد الأصدق على القبول الشعبي، وهي بلا شك مصدر الشرعية الحقيقي لأي سلطة تسعى لحكم هذا البلد.
لقد قال الشعب السوداني كلمته، ولم يعد مستعدًا للعودة إلى نموذج “السودان القديم” القائم على الإقصاء والتهميش واحتكار السلطة. إن التطلع اليوم يتجه نحو سودان جديد، تُبنى فيه الدولة على أسس العدالة الاجتماعية، والمساواة في الحقوق والواجبات، واحترام التنوع، وسيادة حكم القانون.
وانطلاقًا من هذه المسؤولية التاريخية، فإن رسالتنا إلى حكومة التأسيس واضحة: إن أي تأخير في استكمال هياكل الحكم وتفعيل مؤسسات الدولة سيعني، بالضرورة، مضاعفة معاناة المواطنين، وتآكل رصيد الثقة والتفاؤل الذي تشكل في وجدانهم. وهذا ما لا نريده، ولا ينبغي أن نسمح بحدوثه، إذا أردنا بالفعل أن نضع السودان على طريق الاستقرار والسلام. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.




