
خالد فضل
قجأة وبتنسيق عال ضجت الوسائط والفعاليات بأشكال كثيرة من التضامن مع ضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مدينة الفاشر , بدا الأمر وكأنما هناك صحوة ضمير عارمة اجتاحت أوساط كثير من السودانيين/ات . كنت أتابع تلك الهبّة الإنسانية باعجاب يشوبه حذر , فعلى غير ما اعتدنا عليه منذ عقود طويلة في مسيرة الحروب الأهلية بين السودانيين , لم تنهض العزائم بمثل ما نهضت قبل أسابيع عندما سيطرت قوات الدعم السريع / تأسيس على مقر الفرقة السادسة مشاة كآخر معقل من معاقل القوات المسلحة في إقليم دارفور . السيطرة جاءت عقب انسحاب قيادة الفرقة وفي معيتها بعض القيادات التنفيذية حسبما أذيع , وفي بيانه للشعب أوضح قائد الجيش أن القيادة العامة قد وافقت على قرار قيادة الفرقة لتدرأ الإنتهاكات الجسيمة والممنهجة من قوات الدعم السريع ضد المدنيين والمرافق المدنية . لم ينتبه الناس لحيثيات الإنسحاب , وحرص قيادة الجيش على تأمين أفرادها , ولم يسأل سائل , حسنا يا سعادة الفريق , عندما يكون شغل الجيش هو حماية والدفاع عن المواطنين والمرافق المدنية , ثم يخلي مواقعه وينسحب أفراده فلمن ستؤول مهمة الحماية والدفاع ؟ بمعنى آخر هل يريد قائد الجيش أن يقول للمواطنين في الفاشر : أكلوا ناركم براكم ها نحن منسحبون !!
هل كان ذلك الانسحاب ضمن خطة ممنهجة من جانب الجيش ليضع المواطنين في مرمى الموت والإنتهاكات ومن ثم قيامة القيامة تباكيا على الضحايا , و صناعة معسكرات في حضنه يتبارى في دعمها تجّار الدهب ؟ وتسير الوسائط بذكرها وتملأ الفضاء بتضامن كذوب في تقديري الشخصي , فتاريخ دارفور ومن قبل الجنوب وجبال النوبة والفونج ينضح بالمآسي الموجعة للضمائر الحية في كل أرجاء العالم إلا عندنا هنا في سودان الهيمنة والسيطرة والإستعلاء والعنصرية , حيث كل مأساة هناك لا تعني شيئا طالما النار هناك في البعيد عن العين وبعيد بالفعل عن القلب .
عندما يشتبه في وقوع حادثة إغتصاب لنحو200امرأة في منطقة ثابت , تتغذى وسائل الإعلام وأحاديث الناس هنا بأن ذاك مجرد إدعاء فارغ من مرتزقة حركات مناوي وجبريل . وعندما تكتظ معسكرات النزوح واللجوء بملايين النساء والأطفال والشيوخ يقال أنهم استمرأوا حياة الإغاثات والمساعدات فهم عاطلون . وعندما يشتبه في استخدام السلاح الكيماوي في حرب دارفور يقال بل هي تخرصات المأجورين الخونة العملاء من أرباب المنظمات فيعتقل بعض الناشطين بتهم تلفيق التقارير , والضمير الجمعي عن كل ذلك نائم هامد صامت , بل يدين الضحايا ويساند الجلادين والمشتبهين المطلوبين للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية !!
أصحاب الضمائر اليقظة على الدوام لا يتلجلجون في إدانة الإنتهاكات لذاتها وليس تبعا لمن ارتكبها أو ضحاياها . الحس الإنساني الرشيد يتوجع لفيديوهات أبولولو وهو يصطاد العزل وإن كانوا عسكريين غير مسلحين في تلك اللحظات الجنونية , لكنه هو نفس الضمير الذي يتعذّب لفيديوهات جز الرؤوس وسلخ الجلود وبقر البطون ومضغ الأكباد ونشر الأمعاء , فكيف يكون فعل ابولولو مدان وفعل الذبح والنحر عمل بطولي وكرااامة للسودان وبني السودان !! ذاك هو معيار الصدق في التضامن , مقياس الحس الإنساني الذي مبعثه كرامة الإنسان , أما ما يدور فهو مسخ , تشويه لهذه القيمة الإنسانية الرفيعة , التضامن الإنساني , عندما يتحول إلى مادة للنفاق , ومدعاة لسفك مزيد من الدماء وإزهاق الأرواح فهلا تأملنا في هذه الحملة التنكرية , ولماذا الصمت عن مجزرة طلبة مدرسة حكيمة للتمريض في كمو بجنوب كردفان لماذا ؟ أليس هناك ضحايا من المدنيين وتدمير لمرفق مدني يستوجب التضامن وزرف الدوع ولو دموع التماسيح الكبار !! لماذا لم تسر بذكرها منصات المواقع الإلكترونية وصفحات السوشيال ميديا , ولماذا لا ترسل التعازي لامهات فقدن الأبناء والبنات هناك , أم أن حادثة كمو من اختراع الذكاء الإصطناعي ؟
أيها الناس , من في قلبه ذرة من رحمة وحس إنساني يرفض ويدين مبدأ الإنتهاكات من أي طرف جاءت ولو من ذوي القربى . ذاك هو الأساس , أما أن يكون التضامن انتقائي حسب حملات التضليل والانسياق كما القطيع , فهذا محل شك والله عظيم.




