
علي سانتينو
لا يحتاج السودانيون إلى محلل استراتيجي ليخبرهم أن جيش الكيزان الذي يُفترض أن يحمي البلد، تحول إلى فرع عمليات لجماعات الإسلام السياسي، جيش ايدولوجي يقودة جنرال يظن أن البلاد مزرعة ورثها، عبد الفتاح البرهان يتعامل مع السودان وكأنه ملكية خاصه يمكن حرقها ورشّها بالكيماوي، ثم يقف فوق رمادها يلقي الخطب العصماء عن السيادة والكرامة الوطنية، أي سيادة هي التي تحتاج إلى أقنعة من غاز الكلور؟
فقد اشارت تقارير منظمات حقوقية ومصادر دولية موثوقة، أن جيش البرهان يواجه الآن اتهامات خطيرة باستخدام أسلحة كيماوية محرّمة. حيث يقف المتهم بلا ردّ، وبلا تحقيق، فقط حالة من البلادة السياسية التي تتلبسة، وكأن الحديث يدور عن فقدان جوالات ذرة من مخازن التموين وليس عن جريمة حرب. وبدلاً من أن يتعامل البرهان بجدية مع مطالب الإدارة الأمريكية التي طالبته بالاعتراف صراحةً عن استخدام السلاح الكيماوي، فقد اختار الطريق الذي يجيده، اختار المراوغة والابتسامة الماكرة والإنكار الفارغ. جنرال المنافق يتصرف كما لو أن القانون الدولي عبارة عن ورقة منسية تحت مقعد سيارته!
ومن السخرية أن يظن البرهان أن الإنكار في 2025 ما زال يقنع الراي العام. العالم كلّه يتحدث عن استخدام الجيش سلاحا محظوراً وثقته المنظمات، وسياسيون أمريكيون يلوّحون بالعقوبات، وصور الضحايا منتشره في الشوارع بينما هو لا يزال يظن أن كلمة غير صحيح جملة كافية لتهدئة العالم. هو يشبه طالباً التقطه المعلم متلبساً ومع ذلك يصرّ بانه لم يفعل شيئأ، الفرق الوحيد بين البرهان والطالب، هو أن الطالب لا يملك جيشًا يُتهم باستخدام كيماوي!
أما المُنبت ياسر العطا، فحدّث ولا حرج، رجل يتكلم عن القوة المميتة بتبجح عجيب، وكأنه يعرض منتجاً جديداً في مؤتمر تسويقي، لا تهديداً بسلاح محرّم. العطا أصبح أفضل دليل على أن المؤسسة الجيش نفسه فقد البوصلة، وفقد حتى القدرة على اختيار كلمات أقل فضيحة. عندما يلمّح مسؤول بهذا الحجم إلى استخدام القوة المحرمة، فإنه لا يرفع معنويات القوات، بل يرفع احتمالات العقوبات بصرامة!
ومع صمت الجيش المطبق، تتوالى الروايات عن وفيات غامضة بين عمال النظافة بعد سيطرة الجيش على الخرطوم، ثم وفاة مسؤولة بارزة في قطاع الوبائيات بالصحه. هذه الأحداث التي كان يفترض أن تُشعل لجان التحقيق والاستقصاء، تحوّلت إلى شائعات يتجاهلها الجيش كأنها أخبار كُرة القدم. وكأن موت الناس أمر تفصيلي لا يستحق حتى بياناً مرتبكًا!
والأكثر عبثيةً أن البرهان يتصرف وكأن السودان محاط بجدار سحري يمنع العقوبات الدولية من المرور. هو قائد الجيش الذي يتلقى دعماً من دول لها مصالح مباشرة كمصر، فالقاهرة تريد جيشاً يسهل الضغط عليه ويمنع أي تحوّل ديمقراطي في الجنوب!
وإيران تريد موطئ قدم لها وممراً للنفوذ عبر البحر الأحمر وإعادة تموضع للأخوان المسلمين. وفي الحالات كلها يبدو قائد الجيش كموظف لدى اثنين، أحدهما يزوده بالذخيرة والأسلحة المحظورة، والآخر بطائرات اكنجي المسيّرة، بينما يقدم هو بالمقابل وطناً على طبق من دمار وانقسامات داخلية!
أي قائد جيش هذا، وأي وطن هذا الذي يُدار بهذه الخفة والسزاجة. أي جيش هذا الذي يواجه اتهامات كيماوي ويكتفي ببقايا رماد تزوره الريح.؟
إن الكارثة ليست في أن البرهان قد يُعاقَب على إعطاء الأوامر باستخدام قوة مميته كالسلاح الكيماوي المحظور، بل في أنه يجرّ السودان بكلياته إلى هذا المستنقع. فالعقوبات، إذا جاءت هذه المرة لن تكون مجرد توبيخ سياسي كما تعودت الخرطوم، هي ستكون لعنة دولية تُلاحق الجيش المزعوم وتعزله عن المشهد، تمنع عنه السلاح المشروع، وتفضحه أمام العالم. ومع هذا كله لايزال البرهان يتصرّف وقف الموجهات المصرية كأنه يملك الخط الساخن مع الفئة الدولية المعفية من القانون!
الحقيقة المؤلمة أن جيش البرهان اليوم لا يحتاج إلى أعداء؛ لديه قيادة تقوم بمهمة جلب الاعداء على أكمل وجه. تقارير السلاح الكيماوي التي تتحدث عنه، لم يكن أخطر ما استُخدم في هذه الحرب القذرة، الخطر الحقيقي كان، وما زال في هذه القيادة ما تستطيع أن تخسر المعركة، وتخسر حتى الشرف العسكري، وتخسر ثقة الشعوب السودانية كلها، وتدعي مع ذلك أنها تحمي البلاد!
ولو كان في الأمر عدلا، فإن البرهان سيكتشف قريباً أن المجتمع الدولي لا ينسى كلمة قوة مميته او كيماوي محظور وأن التاريخ لا يغفر، وأن الشعب حتى لو صمت اليوم فلن يصمت غداً.




