الهدنة بين القوة والمخاطر: مسؤولية تأسيس في مواجهة جيش فاقد للضمير
عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا

عبد الرحمن أبو رندة… بنسلفانيا
أعلنت قوات تأسيس هدنة لمدة ثلاثة أشهر، خطوة بالغة الأهمية تعكس رغبتها في حماية المدنيين، وتمهيد الطريق لوصول المساعدات الإنسانية، وإفساح المجال لبدء حل سياسي يسعى إلى تأسيس دولة المواطنة ومؤسسات قوية، وعلى رأسها الجيش. هذه الهدنة كانت تعبيرًا عن التزام قوات تأسيس بالمسؤولية السياسية والأخلاقية، ورغبتها في وقف الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن الفوضى والتدخلات الخارجية.
لكن واقع الأمور منذ إعلان الهدنة كشف الطبيعة الحقيقية للجيش الذي يتعامل معه السودانيون. هذا الجيش، المتنازع بين مصالح مصر الرسمية وجماعات متطرفة داخليًا، لم يلتزم بأي التزام إنساني أو سياسي، واستمر في ممارساته القمعية، واضطهاد المدنيين، وتوسيع نطاق انتهاكاته على الأرض. سجله الممتد يظهر أنه ليس قوة دفاع وطنيّة، بل أداة قمع استخدمت ضد الشعب طوال عقود، ولم تتوقف حتى مع الإعلان عن وقف إطلاق النار.
منذ بداية الهدنة، سجلت تقارير متعددة استخدام الجيش للقوة المفرطة ضد المدنيين، وشن هجمات على مناطق مأهولة، مما أسفر عن سقوط ضحايا وإحداث دمار واسع في البنية التحتية. واستمر في فرض سيطرته على الطرق والمناطق الاستراتيجية، وممارسة الاعتقالات التعسفية، وتهديد المدنيين، ما يجعل الهدنة عرضة للاستغلال، ويعكس الطبيعة غير المسؤولة لهذه المؤسسة العسكرية.
الأخطر أن الجيش لم يتوقف عن استغلال هذه الفترة لتعزيز موقعه العسكري، وتوجيه قدراته نحو السيطرة على مناطق جديدة، مع تجاهل تام لأي التزامات دولية أو إنسانية. استخدامه المتكرر للقوة بشكل غير قانوني يعكس غياب الضمير العسكري والأخلاقي، ويؤكد أنه لا يمكن الاعتماد على هذه المؤسسة في أي اتفاق يهدف لحماية المدنيين أو إقامة دولة عادلة.
في هذا السياق، تبرز أهمية يقظة قوات تأسيس، التي تتحمل مسؤولية مزدوجة: حماية المدنيين الذين تعرضوا للهجمات المستمرة، ومتابعة أي خرق للهدنة على الأرض، والعمل على إبقاء المجتمع الدولي مطلعًا على الانتهاكات المستمرة. الخطوة التي اتخذتها قوات تأسيس كانت بداية صحيحة، لكنها تحتاج إلى متابعة صارمة وحذر مستمر، لأن الجيش الذي تتعامل معه فاقد للضمير، وماضيه مليء بالقمع والانتهاكات، وحاضره لا يختلف كثيرًا.
إن مسؤولية قوات تأسيس اليوم هي التأكد من أن الهدنة لا تتحول إلى فرصة للجيش لتعزيز سيطرته، بل أداة حقيقية لحماية المدنيين، وتمهيد الطريق للحل السياسي، وبناء مؤسسات الدولة، ووقف الانتهاكات المستمرة التي تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني والسياسي في السودان.




