
منال علي محمود
كل حكومة تبحث عن النفط. الحكومات التي تكتب تاريخها تبحث عن الصناعات التي يخلقها النفط. هنا يبدأ مستقبل الفولة.
الفولة ليست مجرد منطقة إنتاج نفطي. فهي تمتلك فرصة أكبر من استخراج مورد طبيعي وبيعه في صورته الأولية. فالقيمة الحقيقية للموارد تظهر عندما تتحول من ثروة تحت الأرض إلى صناعات وأسواق وفرص عمل فوق الأرض.
لعقود طويلة ارتبط اسم الفولة بالنفط، لكن المنطقة لم تتحول إلى قاعدة صناعية تستفيد من هذه الثروة. خرج المورد، بينما بقيت الصناعات والخدمات المرتبطة به محدودة. واليوم تقف حكومة تأسيس أمام سؤال استراتيجي: هل تظل مناطق الإنتاج مجرد مصادر للمواد الخام، أم تتحول إلى مراكز لصناعة المستقبل؟
مرحلة ما بعد الحرب ستحدد شكل الاقتصاد السوداني لعقود قادمة. فإعادة الإعمار لن تكون مجرد عملية لإصلاح ما دمرته الحرب، بل ستكون لحظة لتحديد من يملك القدرة على الإنتاج ومن يظل معتمدًا على الاستيراد.
أمام حكومة تأسيس خياران مختلفان. إما العودة إلى نموذج اقتصادي يخرج الموارد من مناطق الإنتاج دون أن يبني حولها صناعات أو اقتصادًا محليًا، أو تأسيس نموذج جديد يجعل من هذه المناطق مراكز إنتاج تقود عملية الإعمار.
الفولة تمثل اختبارًا لهذا التحول. فامتلاك النفط وحده لا يصنع التنمية، لكن بناء الصناعات حوله يمكن أن يغير وظيفة المنطقة بالكامل. السؤال الذي يجب أن يوجه القرار اليوم ليس فقط كم برميلًا يمكن إنتاجه، بل كم صناعة يمكن أن تنشأ حول كل برميل.
مرحلة إعادة الإعمار القادمة ستخلق طلبًا هائلًا على البنية التحتية. طرق، جسور، منشآت خدمية، ومشاريع إنتاجية ستحتاج إلى مواد بناء ورصف بكميات ضخمة. وهنا تظهر الفرصة: هل تصبح غرب السودان سوقًا تستورد احتياجاتها من الخارج، أم تتحول إلى مركز صناعي يخدم إعادة إعمار السودان؟
الفولة تملك عناصر البداية.
فموقعها بالقرب من مناطق الإنتاج النفطي، وتوفر المواد الخام في محيطها، يمنحانها فرصة لبناء صناعة مرتبطة بالبنية التحتية. كما أن قطاع النفط نفسه يوفر مدخلات يمكن تطوير استخدامها في صناعات جديدة، وعلى رأسها صناعة الرصف والطرق.
فالبيتومين، وهو مادة أساسية في صناعة الإسفلت، يرتبط بقطاع تكرير النفط والمنتجات النفطية الثقيلة. ويمكن تحويل هذه العلاقة من نشاط مرتبط بالنفط إلى سلسلة قيمة تنتج مواد تخدم تنمية الإقليم.
الفكرة ليست إنشاء مصنع إسفلت تقليدي، بل بناء مركز لحلول الطرق يناسب طبيعة غرب السودان.
في الطرق الرئيسية التي تربط مناطق النفط والمدن والأسواق، يمكن إنتاج الخلطات الإسفلتية المعدلة بالبوليمر (Polymer Modified Asphalt – PMA). هذه التقنية تقوم على تحسين خصائص البيتومين بإضافات تمنحه مرونة أعلى، وقدرة أكبر على تحمل الحرارة المرتفعة، وضغط الشاحنات الثقيلة، وتأثير المياه خلال موسم الأمطار. وهي مناسبة للطرق التي تحتاج إلى عمر افتراضي أطول وتقليل تكاليف الصيانة.
أما الطرق الريفية ومسارات الإنتاج الزراعي والحيواني، فيمكن تطوير استخدام تقنية تثبيت التربة بمستحلبات البيتومين (Bitumen Emulsion Soil Stabilization). تقوم هذه التقنية على معالجة التربة المحلية بمواد رابطة تزيد تماسكها وتقلل تأثرها بالمياه والتعرية، مما يسمح بإنشاء طرق أكثر ملاءمة للمساحات الواسعة في غرب السودان وبتكلفة أقل من نقل كميات ضخمة من مواد البناء لمسافات بعيدة.
الجمع بين هذين النوعين من الحلول يجعل الفولة مرشحة لتكون مركزًا لصناعة طرق متكاملة، تنتج احتياجات الطرق الرئيسية، وتقدم حلولًا اقتصادية للطرق الريفية.
لكن المشروع الحقيقي يتجاوز الطرق.
إنشاء مجمع لمواد البنية التحتية في الفولة يمكن أن يفتح سلسلة اقتصادية كاملة تشمل معالجة المواد الخام، مختبرات الجودة، المحاجر، الخرسانة، الأنابيب، صيانة المعدات، التدريب الفني، وشركات النقل. وهذا يعني انتقال المنطقة من اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى منظومة إنتاج مرتبطة به.
هذه هي الفرصة التي تملكها حكومة تأسيس: تحويل مناطق الموارد من نقاط استخراج إلى مراكز اقتصادية تنتج القيمة المضافة وتخلق فرص العمل وتقود بناء السودان.
الفولة يمكن أن تنتقل من مدينة تُعرف بما يخرج من أرضها، إلى مدينة تُعرف بما تصنعه حول هذه الثروة.
فالنفط يمكن أن يكون نهاية دورة اقتصادية قصيرة، أو بداية دورة تنموية طويلة. والقرار الذي تتخذه حكومة تأسيس اليوم سيحدد أي طريق ستسلكه الفولة.
من هنا يبدأ مستقبل الفولة.




