
سمية النور دهب
لم يعد ما يحدث في السودان مجرد صراع مسلح أو مواجهة عسكرية تتبدل فيها موازين القوى، بل تحوّل إلى مسرحٍ لانتهاكات تتجاوز كل الخطوط الحمراء، ويقف في مركزها جيشٌ تُشير الأدلة المتاحة إلى تورطه في أبشع أشكال استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. فالمعلومات التي جُمعت من مصادر متعددة—بينها شهادات ميدانية، تقارير فنية، وتحاليل مخبرية—ترسم صورة قاتمة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.
المعطيات من المناطق المتضررة تكشف نمطًا متكررًا: هجمات متعمدة تتبعها حالات اختناق حاد، حروق كيميائية، انهيار وظائف التنفس، وانتشار أعراض لا يمكن تفسيرها إلا بالتعرض المباشر لمركّبات سامة محرّمة دوليًا. العينات التي فحصتها جهات مستقلة أظهرت وجود غازات ومواد كيميائية محظورة، ما يضع الجيش في قلب دائرة الاتهام بالنظر إلى سيطرته الكاملة على هذه الترسانة.
الشهادات الميدانية تتحد مع التحاليل العلمية لتوضح صورة واحدة: الهجمات لم تكن عشوائية، بل عمليات منظّمة، استهدفت مناطق مأهولة بالسكان، مع تجاهل تام للمدنيين، لترويعهم وإلحاق أكبر قدر من الضرر البيئي والصحي. دخان كثيف ذو رائحة نافذة كان يغطي المواقع المستهدفة قبل سقوط الضحايا الواحد تلو الآخر، ما يؤكد استخدام مواد خطرة بشكل متعمّد.
الأخطر أن تأثير هذه الأسلحة لم يقتصر على البشر؛ فقد أُصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غير صالحة للزراعة، وتلوثت المياه بشكل دائم، وتوفيت المواشي بشكل مفاجئ بعد شربها. كل هذه المؤشرات ترسم خطًا مباشرًا يربط بين الجيش المسيطر على هذه المناطق واستخدام أدوات قتل محرّمة دوليًا.
إن الأدلة المتاحة اليوم، من شهادات وعيّنات وتحاليل، تشير بوضوح إلى مسؤولية الجيش عن أبشع الانتهاكات، وتحوّل هذه الجرائم إلى قضية أخلاقية وإنسانية عاجلة. السكوت عنها لم يعد خيارًا، والمحاسبة لم تعد مطلبًا سياسيًا، بل واجبًا إنساني تجاه الضحايا، وتجاه ما تبقّى من دولة تحمي حياة مواطنيها.




