
منال علي محمود
في أغلب دول العالم، يخاطب الجيش مواطنيه بلغة الانضباط والطمأنينة والمسؤولية الوطنية. في السودان، الخطاب يكشف طبيعة الأزمة التي يعيشها البلد ويعرّي العقلية التي صنعت المأساة.
التصريح الأخير للفريق ياسر العطا يعكس موقفاً سياسياً تجاه القوى المدنية، مستلهماً كلمات الإسلامويين في الوصف والتهديد، وكأنه يتحدث عن خصم يجب القضاء عليه. ثم أعلن بلا تردد:
حتى لو جرت انتخابات بعد عشر أو خمس عشرة سنة وفازت بها القوى المدنية، سأخرج من المعاش وأقوم بانقلاب عليهم.
الإطار الزمني 10–15 سنة لا يشير إلى توقع مستقبلي، بل إلى مهلة لتصفية القوى المدنية، وإعادة ترتيب النفوذ، وإعادة إنتاج الحكم العسكري بواجهة جديدة. هذه المهلة إنذار صريح: السودان لن ينجو إلا بخلع هذه السلطة من جذورها، ونزع منطق الانقلاب من قلب الدولة، واستعادة حق الشعب في تقرير مصيره دون تهديد أو وصاية.
الموقف الذي عبّر عنه العطا يكشف حقيقة ظلّت تنكرها القيادات: الجيش الحالي، في غياب الإصلاح الجوهري، أصبح جناحاً عسكرياً للحركة الإسلامية، مستعداً لتصفية المدنيين وإلغاء إرادتهم متى شاءت القيادة.
وتجريد الجيش من صفة “حامي الدستور” خطوة أساسية. هذه الصفة تحولت في السودان إلى بوابة جاهزة للانقلاب، وغطاء يمنح القادة العسكريين شرعية زائفة للسطو على السلطة عند كل مفترق. الجيش الذي يرفع شعار حماية الدستور يمزقه عندما لا تخدمه نصوصه، ويعلّق العمل به حين يبتعد المزاج الشعبي عنه.
وعندما تتحول “حماية الدستور” إلى تفويض دائم فوق الدولة والمجتمع، يصبح الانقلاب ممارسة متكررة كلما سنحت الفرصة، ووسيلة لإعادة تشكيل السلطة في اللحظة التي يقرر فيها القادة العسكريون ذلك.
في ظل هذا الخطاب، يعيش الشارع السوداني في خوف مستمر. أي تعبير عن الرأي، أي موقف مدني، أو أي انتماء محتمل للقوى المدنية مثل قوى الحرية والتغيير أو صمود، أو حتى الانتماء لاثنية محددة، قد يؤدي إلى الاعتقال أو الملاحقة الأمنية. القبضة الأمنية المشددة تجعل الناس صامتين، وكل كلمة خارج الخط الرسمي يمكن أن تضع صاحبها خلف القضبان.
الخوف أصبح أداة منظمة للسيطرة، لإخضاع الشعب، ولضمان بقاء السلطة تحت قبضة من يرفضون الديمقراطية ويعتبرون الانقلابات حقاً ذاتياً لهم.
لهذا، لا يمكن بناء دولة مستقرة إلا بإلغاء هذا الامتياز، وإعادة الجيش إلى مكانه الطبيعي:
قوة وطنية تحرس الحدود لا الحكم، تنفذ الدستور لا تصادره، وتحمي الشعب لا تتقدم عليه.
السودان يحتاج إلى لحظة حاسمة تعيد تعريف علاقة الجيش بالدولة، وتكسر الحلقة التي أعادت إنتاج الانقلابات جيلاً بعد جيل.
فالديمقراطية لا تُهدى للشعوب، ولا تقوم تحت ظل سلاح يراقب نتائج الصندوق، ولا تزدهر في بلد يُعطى فيه الجيش حق النقض على إرادة الأمة.
هذه الحقيقة يجب أن يفهمها المجتمع الدولي بوضوح
لا سلام، ولا انتقال، ولا انتخابات ذات معنى، ما لم يتم فصل السلطة المدنية عن رغبات القادة العسكريين، وتجريد الانقلاب من شرعيته، وإعادة حقوق الشعب إلى مكانها الأول.
السودان ليس بحاجة إلى مزيد من الوقت.
السودان بحاجة إلى استعادة الدولة من قبضة من يعتقدون أن الحكم حق مؤبد لا تحدّه ناخبون، ولا دستور، ولا مستقبل يقرره الشعب.
للمتابعة والاطلاع
هذا المقال يهم منظمات حقوق الإنسان والديمقراطية مثل @HumanRightsWatch و@AmnestyInternational و@ReportersWithoutBorders، إضافة إلى مؤسسات مراقبة الانتخابات والديمقراطية مثل @IDEAInternational و@FreedomHouse.



