رأي

تحرير بابنوسة… خطوة مفصلية لقوات التأسيس في إنهاء نفوذ الجيش المنحاز للحركة الإسلاموية وتمهيد الطريق نحو دولة الحرية والسلام والعدالة

نجم الدين دريسة

 

نجم دريسة 

حين تنهض الشعوب لإعادة كتابة مصيرها، تسقط الجغرافيا القديمة وتولد خرائط جديدة للحرية.

ولا تُحرِّر الجغرافيا نفسها، بل يحررها وعي الناس وإصرارهم على تغيير ميزان القوة.

التاريخ لا يتغير بالصدفة، بل حين تتقدم إرادة التأسيس على إرث الهيمنة.

وكل مدينة تتحرر، تفتح بابًا جديدًا نحو مستقبل تُرسم فيه الدولة بأيدي أبنائها.

يشكّل التحوّل الميداني في مدينة بابنوسة محطةً فارقة في مشهد الصراع داخل إقليم كردفان وغرب السودان، نظرًا للأهمية الاستراتيجية التي تتجاوز حدود المدينة لتلامس توازنات القوة في المنطقة بأسرها. ويكتسب هذا التحوّل وزنًا إضافيًا بعد نجاح قوات التأسيس في تحرير المدينة من قبضة الجيش المرتبط بالمشروع الإسلاموي، وهو نفوذ ظل يشكل أحد أعمدة الهيمنة داخل الإقليم لسنوات طويلة.

وتبرز أهمية بابنوسة من موقعها الجغرافي الحساس، حيث تتقاطع عندها طرق محورية تربط غرب السودان بجنوبه ووسطه، ما يجعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في إدارة خطوط الإمداد وتحديد مسارات التحرك العسكري. كما أنها تمثل بوابة نحو مناطق ذات قيمة اقتصادية كبيرة، تتضمن مخازن النفط وموارد الذهب، إضافة إلى الثروات الحيوانية والمحاصيل النقدية التي تستند إليها اقتصادات الإقليم.

هذا الموقع الاستراتيجي جعل من المدينة مركزًا تنافسيًا بين القوى المتصارعة، ليس فقط بسبب أهميتها العسكرية، بل لأنها تمتلك القدرة على إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في غرب السودان. فتحريرها منح قوات التأسيس نقطة ارتكاز لوجستية قوية، يمكن البناء عليها في إعادة رسم خارطة النفوذ الممتدة نحو ولايات كردفان الأخرى، وكذلك نحو المسارات المؤدية إلى النيل الأبيض والوسط.

كما يُنظر إلى هذا التحول باعتباره لحظة ذات أثر سياسي عميق، إذ يضعف قبضة المشروع الإسلاموي الذي اعتمد طويلًا على مواقع نفوذه داخل الإقليم، ويقرب السودان من مرحلة تتقدم فيها قوى التغيير الساعية لبناء دولة مؤسسية تقوم على مبادئ الحرية والسلام والعدالة. وبذلك، تصبح بابنوسة ليست مجرد مدينة تُستعاد، بل نقطة بداية لمسار يستهدف إعادة تشكيل بنية السلطة في غرب ووسط البلاد.

وتتجلى دلالات هذا الحدث أيضًا في وضعه القوى الفاعلة  محليًا وإقليميًا  أمام واقع جديد يتطلب قراءة أكثر دقة للتوازنات المتحركة، خصوصًا أن المدينة تُعد حلقة وصل بين مسارح عمليات متعددة، ما يمنح تحريرها أثرًا مضاعفًا في إعادة ترتيب الأولويات العسكرية والسياسية.

وفي جوهر التحليل، يبرز تحرير بابنوسة كمنعطف يعكس انتقال السودان إلى مرحلة جديدة من صراع الإرادة بين مشروعين: مشروع يستند إلى إرث الهيمنة الديني والعسكري، وآخر يسعى لتأسيس دولة مدنية حديثة تعبر عن تطلعات الشعوب السودانية في الحكم الرشيد والتنمية والسلام المستدام.

إن هذا التحول، بما يحمله من رمزية وقدرة على تغيير المعادلات، يؤكد أن إعادة صياغة المشهد الوطني تبدأ من المدن التي تتحرر، ومن الجغرافيا التي تُعاد قراءتها وفق رؤية جديدة للمستقبل. وبابنوسة، في هذا الإطار، ليست حدثًا عابرًا، بل خطوة مؤثرة في الطريق الطويل نحو بناء دولة تعكس إرادة السودانيين في تجاوز حقبة الاستبداد الديني والعسكري، والانتقال إلى فضاء أرحب من الحرية والعدالة والتعددية السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!