رأي

حين تصبح الشاشات مصانع للوهم… وتسقط الحقيقة تحت ركام الأكاذيب

سمية النور دهب.. دبلن

 

سمية النور دهب.. دبلن 

المصداقية ليست ترفاً في الإعلام، بل هي «عربون الثقة بين المتابع وصاحب الرسالة». وما إن يتزعزع هذا العربون حتى تنهار العلاقة كلها، ويتحوّل كل خبر إلى سؤال، وكل تقرير إلى شبهة، وكل معلومة إلى بابٍ للارتياب.

وفي الحالة السودانية، بلغ التلاعب الإعلامي مداه. فقد ظلت بعض القنوات العربية منحازة في حرب 15 أبريل، غير أنّ ما فعلته قناة الجزيرة مؤخراً تجاوز الانحياز إلى صناعة روايات خيالية لا تمتّ للواقع بصلة. تقرير مراسلها حول «وصول نازحات من بابنوسة إلى الأبيض» كان مثالاً فاضحاً لذلك؛ تقرير يجعلك تفرك عينيك لتتأكد أنك لا تشاهد عملاً درامياً بل خبراً يُفترض أنه مهني.

أعرف بابنوسة كما أعرف كفّي. فأنا ابنة غرب كردفان، أعرف جغرافيتها، ملامحها، وطرقاتها قبل الحرب وبعدها. وبكل وضوح، فإن المدينة خالية تماماً من السكان منذ قرابة عامين، لا وجود فيها لمدنيين إطلاقاً، فكيف خرجت منها «نساء»؟ ومن أين جئن؟ بل كيف قطعن مسافة 350 كيلومتراً في يومين بينما الطريق يستغرق خمسة أيام في أفضل الظروف؟

الحقيقة لا تحتاج إلى تزويق، وحدها الأكاذيب ترتجف فتطلب زخارف الإعلام.

إن ما فعلته الجزيرة لم يكن مجرد خطأ ميداني، بل كان استهتاراً بوعي الناس وبذاكرتهم، وإصراراً على تقديم السودان بعدسة واحدة، عدسة منحازة لا ترى إلا ما يخدم رواية محددة. وبدلاً من الاعتذار أو التصحيح، تستمر القناة في استخدام الأسلوب ذاته: تقارير معلبة، شهادات غير محققة، وروايات لا يدعمها أي منطق جغرافي أو واقعي.

لقد تحوّل جزء من الإعلام العربي إلى منصة صدى تردّد ما يريده الطرف الذي يملك الميكرفون الأكبر، لا ما تقتضيه الأمانة المهنية. وفي خضم هذه الفوضى، يحق لنا أن نرفع صوتنا ونقول: كفى. فالسودان ليس لوحة بيضاء يرسم عليها المراسلون ما يشتهون، ولا مسرحاً يختبرون فيه حبكاتهم الخيالية. السودان أرض يعرفها أهلها، ويعرفون جيداً متى تُحترم الحقيقة ومتى تُغتال.

قد تخدع العالم، لكنك لن تخدع أهل الأرض الذين عاشوا القصة على ترابها.

إن الإعلام حين يسقط لا يسقط وحده، بل يُسقط معه الوعي العام، والحق العام، وصوت الناس الذي يُفترض أن يمثله لا أن يخونه. وما يحدث اليوم يجعلنا نقف على حافة سؤال خطير: إن كان هذا التقرير بهذه الركاكة، فكيف تبدو التقارير التي لا نملك القدرة على التحقق منها؟

ختاماً، نقولها بصوت واضح: الحقيقة أكبر من الشاشات، وأبقى من المؤسسات، وأصدق من الروايات المصنوعة. ومن يفرّط فيها يرتكب خيانة لا تغتفر.

ولهذا يبقى القول المأثور جديراً بأن يُكتب على بوابات كل غرفة أخبار:

الكلمة مسؤولية… ومن يفرّط فيها يفرّط في شرف مهنته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!