رأي

استراتيجية الحصار في ضوء تجارب التاريخ؛ كيف استطاع الدعم السريع توظيفها ببراعة

د. مجدي شريف .. خبير الأمن والدراسات الاستراتيجية

 

 د. مجدي شريف .. خبير الأمن والدراسات الاستراتيجية

تمثل استراتيجية حصار المدن إحدى أقدم الأدوات العسكرية التي استخدمتها الجيوش عبر التاريخ، ولا تزال حتى اليوم من أكثر الوسائل قدرة على تغيير موازين الحروب دون الحاجة إلى اقتحامات مكلفة أو معارك مباشرة واسعة. فالحصار يقوم في جوهره على عزل المدينة عن محيطها وقطع طرق الإمداد الحيوية عنها، بما يؤدي إلى إنهاك القوات المدافعة واستنزاف قدراتها القتالية، وضرب معنوياتها مع مرور الوقت. وتستند هذه الاستراتيجية إلى مزيج من الضغط العسكري المحسوب، والإطباق على المداخل والمخارج، وحرمان الخصم من القدرة على المناورة، إلى جانب استخدام الحرب النفسية لتفتيت تماسك القوة المحاصَرة.

وقد أثبت التاريخ أن حصار المدن كان دائمًا مقدمة لسقوطها، سواء في تجارب القسطنطينية أو ستالينغراد أو سراييفو أو الموصل. ففي كل هذه النماذج، لم يكن السقوط وليد لحظة الاقتحام، بل نتيجة مباشرة لتآكل القوة الداخلية تحت وطأة العزل ونفاد الإمدادات وتدهور الروح المعنوية. كما أظهرت هذه التجارب أن الحصار ليس مجرد تطويق جغرافي، بل عملية معقدة تتطلب قراءة دقيقة للزمن، وفهمًا للجغرافيا، وامتلاك القدرة على إدارة معركة طويلة النفس تستهلك الخصم تدريجيًا.

في السياق السوداني، استطاعت قوات الدعم السريع توظيف هذه الاستراتيجية بقدر كبير من البراعة والتنظيم، خاصة في مدينتي الفاشر وبابنوسة. ففي الفاشر، لم تتجه القوات إلى مواجهة مباشرة أو اقتحام سريع، بل اعتمدت على حصار تدريجي بدأ بقطع خطوط الإمداد الرئيسية وإغلاق الممرات القادمة من شمال دارفور، والسيطرة على القرى المحيطة التي تشكل طوقًا دفاعيًا طبيعيًا حول المدينة. ومع استمرار الضغط، بدأت القدرة القتالية للقوات الحكومية في التآكل، خاصة بعد عزل المطار وتفكيك الاتصال بين الوحدات العسكرية داخل المدينة، الأمر الذي أدى إلى شلل في القيادة وانخفاض القدرة على الصمود. ومع مرور الوقت، تحولت المدينة إلى جيب معزول يعتمد على ما تبقى من موارده الداخلية، وهي مرحلة يعرف العسكريون أنها اللحظة التي يتحول فيها الدفاع من فعل مقاوم إلى عبء ثقيل على نفسه.

أما في بابنوسة، فقد لجأت قوات الدعم السريع إلى تطبيق نموذج أسرع يقوم على السيطرة على محيط المدينة قبل المواجهة، وإغلاق الطرق المؤدية إلى الفرقة 22 مشاة، ومن ثم إطالة أمد الضغط العسكري بطريقة تجعل القوة المدافعة عاجزة عن تجديد الذخيرة أو إدخال تعزيزات. وقد أدى هذا التكتيك إلى انهيار متسارع في بنية القيادة داخل الفرقة، انتهى بانسحاب قادتها ليلًا وترك الجنود دون غطاء أو توجيه، الأمر الذي حسم المعركة قبل أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة داخل الأحياء.

ولم يكن نجاح الدعم السريع في هاتين الجبهتين عسكريًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، إذ اعتمدت القوات على رسائل ميدانية واضحة تشير إلى أن الاستمرار في القتال مكلف، بينما الانسحاب أقل ضررًا. وهذا النوع من الضغط يضاعف أثر الحصار، لأنه يفتت تماسك القوة المحاصَرة ويجعلها أكثر قابلية للانسحاب أو الانهيار دون قتال كبير. ويضاف إلى ذلك خبرة الدعم السريع في التعامل مع تضاريس إقليم دارفور وكردفان، إذ منحته الجغرافيا غير المعلَمة في الخرائط العسكرية التقليدية ميزة نوعية مكنته من السيطرة على مسارات ترابية وريفية لا تدركها الخصم بسهولة.

وبذلك يتضح أن ما قام به الدعم السريع لم يكن مجرد استخدام عابر لتكتيك عسكري معروف، بل كان توظيفًا مركبًا ومتدرجًا لاستراتيجية الحصار، استند إلى قراءة دقيقة للجغرافيا، وإدارة محسوبة للوقت، وفهم لنقاط ضعف الخصم، وتفعيل للحرب النفسية والقدرة على الاستنزاف. لقد أثبتت التجربة أن إسقاط المدن الكبرى لا يتحقق بالاقتحام وحده، بل بخلق بيئة تُسقط المدينة من داخلها قبل أن تُفتح أبوابها من الخارج، وهو ما جعل حصار الفاشر وبابنوسة نموذجين بارزين على قدرة الدعم السريع على توظيف هذا التكتيك بفعالية عالية في الحرب السودانية الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!