
عماد أبكر جدو
هذا الرد موجّه إلى مناصري التحالف المدني الديمقراطي (صمود)، ليس بدافع الخصومة السياسية، وإنما من موقع المسؤولية الوطنية، وفي لحظة لا تحتمل المواربة أو الخطاب الرمادي، بينما ينزف السودان دماً وانقساماً.
تحدّثت رؤية تحالف (صمود) عن مهام الفترة الانتقالية التأسيسية، وعلى رأسها بناء المنظومة الأمنية والعسكرية وجمع السلاح في يد الدولة. غير أن السؤال الجوهري الذي ظل غائباً عن هذا الطرح هو: أي دولة يُراد لها أن تحتكر السلاح؟
هل هي دولة بورتسودان، بوصفها سلطة أمر واقع، أم دولة التأسيس المنشودة؟
هذا السؤال ليس نظرياً، بل هو بيت القصيد. فالإجابة عليه وحدها كفيلة بتفكيك حالة الارتباك التي يعيشها تحالف (صمود). في المقابل، حسم تحالف تأسيس هذه الإشكالية بوضوح، عبر الدستور الانتقالي لسنة 2025م، الذي قدّم تصوراً متكاملاً لبناء الدولة وفرض سيادة القانون من خلال حكومة سلام ذات مشروعية تأسيسية، لا سلطة قائمة على توازنات الحرب.
وفي ملف الاستجابة الإنسانية، تتجلى الفوارق بصورة فاضحة. إذ بات معلوماً أن حكومة بورتسودان تتعامل مع المساعدات كأداة سياسية وعسكرية، عبر احتكارها وتوظيفها وتوزيعها خارج أطر الشفافية، بل وطرح جزء منها في الأسواق.
بينما وضعت حكومة تأسيس إطاراً قانونياً واضحاً، أسند مهمة العون الإنساني إلى وكالة مستقلة، وكفل تقديم التسهيلات للمنظمات الدولية والوطنية، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها من النازحين والمتضررين من الحرب.
أما في ما يتعلق بسؤال إيقاف الحرب وإعادة الإعمار، فقد اكتفى تحالف (صمود) بسياسة المناشدة والرهان على المبادرات، في حين انتقل تحالف تأسيس إلى الفعل العملي، باعتبار أن الحرب لا تُوقَف بالبيانات، بل بكسر أدواتها السياسية والعسكرية.
ولا بد من التذكير بأن تحالفي (صمود) و(تأسيس) كانا جزءاً من كيان واحد هو تحالف (تقدّم)، قبل أن ينقسما في اجتماع عنتيبي. وكان جوهر الخلاف يتمثل في سؤال الوسيلة:
هل يمكن ابتدار عملية سياسية في ظل حرب مفتوحة، أم أن الواجب الأخلاقي يقتضي أولاً تسمية المسؤولين عن إشعال الحرب وتحمل كلفة الموقف؟
تعلم كل القوى السياسية السودانية أن الإسلام السياسي هو العقبة الأساسية أمام أي تسوية وطنية حقيقية، وهو الطرف الذي أشعل حرب 15 أبريل 2023، ويسعى لتعطيل مشروع السودان الجديد القائم على الفدرالية، والسلام، والعدالة، وعدم الإفلات من العقاب.
غير أن تحالف (صمود) أخفق في تشخيص الأزمة، حين ساوى بين قيادة الدعم السريع وقيادة الجيش المؤدلج في مسؤولية اندلاع الحرب، في قراءة مبتسرة تتجاوز جذور الصراع وسياقه الحقيقي.
وتتجسد هذه الإخفاقات بوضوح في الرهان على وعود عبد الفتاح البرهان بإيقاف الحرب مقابل فك حصاره في القيادة العامة. فقد تحمست بعض مكونات (صمود) لهذا المسار، وتواصلت مع قيادة الدعم السريع التي استجابت، لكن البرهان ما لبث أن عاد إلى نهجه القديم: مراوغة، وخطاب عدائي، وتنفيذ أجندة الجماعة الإسلامية.
كان من المفترض أن تكون هذه التجربة درساً سياسياً، لا محطة عابرة تم تجاهلها.
إن تردد تحالف (صمود) في اتخاذ موقف حاسم أسهم، بصورة أو بأخرى، في إطالة أمد الحرب. ولو أن هذا التحالف تحمّل مسؤوليته السياسية، وشارك في تأسيس سلطات مدنية بالمناطق الخارجة عن سيطرة الجيش، لانخرطت قطاعات واسعة من الشعب في مشروع التغيير، ولتحقق الكثير من أشواق السودانيين.
إن كسر بندقية الإسلاميين، وتفكيك الجيش المؤدلج، يظل الشرط الأول لتحقيق السلام. ومن هنا يبدو الفرق شاسعاً بين رؤية (صمود) لإنهاء الحرب، وبين ميثاق ودستور تأسيس، الذي قدّم مشروعاً متكاملاً شمل المبادئ فوق الدستورية، والحريات، والنظام اللامركزي، وهياكل السلطة، والأجهزة العدلية، وحل المليشيات، وبناء جيش مهني بعقيدة وطنية جديدة.
لقد وقّع على ميثاق ودستور تأسيس أكثر من ثمانين كياناً يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع السوداني، وهو ما يمنحه شرعية سياسية واجتماعية حقيقية.
وعليه، فإن مستقبل السودان لا يُصنع بالحلول السطحية أو المواقف الرمادية، بل بمشروع تأسيسي واضح، وشجاعة سياسية، واستعداد لتحمل الكلفة. وهنا تحديداً يكمن الفرق الجوهري بين (صمود) و(تأسيس).




