رأي

القاهرة … حضور ثقيل في كل أزمة سودانية

سمية النور دهب..دبلن

 

سمية النور دهب..دبلن 

لم تعد علاقة السودان بمصر مجرد تداخل جغرافي أو تاريخي، بل تحولت عبر العقود إلى واحدة من أكثر العلاقات التباساً في الإقليم. فمن النيل الذي يجري في اتجاه واحد، إلى السياسة التي تتحرك في كل الاتجاهات، ظل السودان يدفع ثمناً باهظاً لكل خطوة تخطوها القاهرة داخل المشهد السوداني. وليس غريباً، لكل متابع حصيف، أن يجد بصمات مصر واضحة في أغلب المنعطفات التي عاشها السودان، سواء كان ذلك عبر المواقف السياسية، أو التحالفات، أو محاولات التأثير المباشر وغير المباشر على مفاصل الدولة.

فمصر لم تكتفِ بدور “الأخ الأكبر”، بل سعت في أحيان كثيرة إلى أن تكون صاحب القرار نيابة عن الخرطوم. هذا الطموح القديم الذي تعيد القاهرة تدويره، كلما شعرت بأن السودان يقترب من بناء معادلته الوطنية المستقلة. ويبدو جلياً أن كل أزمة داخلية تجد فيها مصر مساحة جديدة لتوسيع نفوذها، وكأن استقرار السودان يُقرأ في القاهرة باعتباره خصماً من نفوذها الإقليمي.

تاريخياً، كان الخطاب الرسمي المصري يرفع شعار “الأمن القومي المشترك”، لكن التطبيق العملي لهذا الشعار غالباً ما كان يصب في مصلحة جانب واحد. فمن التدخلات السياسية، إلى احتضان شخصيات نافذة، مروراً بمحاولات التأثير في مراكز القرار، ظل السودان ساحة مفتوحة للتدخل المصري، حتى في أكثر اللحظات حساسية. ولعل المشكلة لا تكمن فقط في حجم التدخل، بل في طبيعته التي غالباً ما تحمل قدراً من الاستعلاء والتعامل مع السودان بوصفه مجالاً تحتاج القاهرة إلى ضبطه لا إلى احترام توازنه.

وعلى الرغم من تغير الأنظمة في البلدين، بقي النهج المصري ثابتاً: كل فرصة لإعادة تشكيل الواقع السوداني تُقرأ كفرصة لتعزيز النفوذ أو تعطيل أي مشروع وطني مستقل. وفي كل مرة يتقدم فيها السودانيون خطوة نحو إعادة ترتيب بيتهم الداخلي، يظهر الدور المصري كعامل يشدّ الواقع إلى الخلف، أو يحاول فرض مقاربة لا تراعي تعقيدات المشهد السوداني ولا أولويات شعبه

لقد آن الأوان لفتح نقاش صريح حول الوزن الحقيقي للدور المصري في السودان، بعيداً عن العبارات المجاملة والصور التاريخية المعلبة. فالشعوب، لا الخطابات، هي التي تدفع ثمن التدخلات، والسودان يدفع هذا الثمن منذ زمن طويل. إن بناء دولة مستقلة القرار لن يكون ممكناً ما لم يُعاد رسم حدود العلاقة مع القاهرة على أسس جديدة: احترام السيادة، ووقف التدخل، والاعتراف بأن السودان ليس امتداداً سياسياً لأحد، بل دولة تستحق أن تُعامل بندّية كاملة.

إن السودان اليوم بحاجة إلى إعادة ترميم علاقاته الإقليمية، ولا يمكن أن يتم ذلك دون معالجة الدور المصري الذي ظل حاضراً وبثقل في كل أزمة سياسية عرفها هذا البلد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!