رأي

حين ضاقت الفكرة بالوطن: كيف دمّر الإسلام السياسي إمكانية بناء دولة سودانية تتسع للجميع

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

لم تكن أزمة السودان يوماً أزمة تنوّع، ولا كان تعدد الهويات سبباً لصراعٍ أو انقسامٍ بطبيعته، بل كانت الأزمة دائماً في المنظومة السياسية التي عجزت عن تحويل هذا التنوع إلى قوة جامعة. فالمجتمعات التي تشبه السودان—بثرائها الثقافي واللغوي والإثني—لا تسقط بسبب اختلافاتها، بل تسقط حين تتصدرها أيديولوجيات لا تعترف بهذا الاختلاف ولا تحسن التعامل معه. وفي قلب هذه الأيديولوجيات، يقف الإسلام السياسي باعتباره أكثر مشروعٍ أضرّ بالسودان دولةً وشعباً ومساراً تاريخياً.

فالفكرة الإسلاموية بطبيعتها تقوم على رؤية أحادية خانقة، ترى العالم بلون واحد، والإنسان بنموذج واحد، والوطن بوظيفة واحدة. مشروعٌ يقوم على صهر الجميع داخل قوالب عقائدية، لا تترك مساحة للاختلاف، ولا تعترف بحق المواطن في أن يكون كما يشاء، بل تفرض عليه ما يجب أن يكونه. وفي بلدٍ يتنفس بالتنوع، مثل السودان، تصبح هذه الرؤية ليس مجرد خطأ سياسي، بل كارثة وطنية تعيد تشكيل الدولة ضد طبيعتها.

ولذلك ظل الإسلام السياسي في السودان على الدوام في حرب مفتوحة مع الواقع. فبينما سعت المجتمعات المحلية إلى تثبيت هوياتها، وثقافاتها، ومطالبها بالإنصاف والمشاركة، كانت الحركة الإسلاموية تعمل على محو هذا كله تحت ذريعة “وحدة الهوية”. لم تكن وحدة في الحقيقة، بل اختزال للبلاد في صورة ضيقة لا تشبه أهلها. وكلما قاوم الناس هذا الاختزال، كلما زادت الممارسات السلطوية التي تستند إلى منطق الهيمنة: إقصاء، تهميش، قمع، وإعادة هندسة الحياة العامة بالقسر والعنف.

لقد تعامل الإسلام السياسي مع السودان كما يتعامل البنّاء الجاهل مع منزل عريق: يهدم الأساسات ليبني فوقها شيئاً غريباً لا علاقة له بالمكان. فبدلاً من الاعتراف بأن السودان وطن تتجاور فيه اللغات والديانات والعادات، حاولت المنظومة الإسلاموية فرض مركزية ثقافية وسياسية، تقيس الانتماء بمدى الولاء لا بمدى المواطنة. وعندما واجه المشروع مقاومة طبيعية من الأطراف والوسط والمدينة والريف، اختار الرد لا عبر الحوار والاعتراف، بل عبر صناعة الأزمات وتأجيج الصراعات لتعويم سلطته وبسط سيطرته.

ولم يكن الفشل المتكرر لمبادرات الحل الوطنية ناتجاً عن غياب الرؤية، بل عن وجود مشروعٍ أيديولوجي لا يحتمل دولة تقوم على المساواة، ولا يقبل نظاماً يوزّع السلطة والثروة بعدالة، ولا يعترف بحقوق المجموعات المختلفة. فكل حل حقيقي يعني بالنسبة للإسلام السياسي انهيار بنيته، وكل اتفاق شامل يعني تراجع هيمنته، وكل مشروع وطني جامع يعني نهاية حلمه العقائدي.

إن السودان لن يستقيم ما لم يُغلق الباب تماماً أمام العقلية الأحادية التي حكمت باسم الدين، وأساءت للدين، وخربت الدولة، وفرّقت الناس، وعطّلت إمكانات النهوض. فالمستقبل لا يبنى بالأيديولوجيات التي تخشى التنوع، بل بالمشاريع الوطنية التي تعتز به، وترى فيه ثروة لا تهديداً. وعندما يبدأ السودان كتابة تاريخه بعيداً عن سطوة الإسلام السياسي، سيكتشف أن ما أعاقه لم يكن تعدده، بل من حاول أن يصادر هذا التعدد باسم “الحقيقة الواحدة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!