رأي

هويات دارفور… بين السرد المنقذ والواقع المنسي

سمية النور دهب

 

 سمية النور دهب

تتخذ أزمة دارفور حيّزًا استثنائيًا في النقاشات الدولية، ليس فقط بسبب فداحة المأساة، بل لأنّها تحوّلت إلى نموذج تُبنى حوله روايات جاهزة تُخاطب الضمير الغربي أكثر مما تُفسّر جذور الصراع. وفي قلب هذه السرديات، تبرز ثنائية “المنقذ والضحية”، حيث تُختزل دارفور في مشاهد آلام مجرّدة تُستدعى لتمرير خطاب إنساني مشحون بالعاطفة، بينما تُوضع تعقيدات التاريخ جانبًا.

لكن قراءة أكثر عمقًا تكشف أنّ الأزمة لم تنشأ فجأة، ولم تُختصر يومًا في مواجهة بين “عرب” و“أفارقة” كما تقدّمها الأدبيات الدعائية. فالإقليم شهد عبر قرون بنية اجتماعية مرنة تداخلت فيها الانتماءات السياسية والثقافية، قبل أن يأتي الاستعمار ليعيد إنتاج الهويات عبر تقسيمات مصطنعة، فرّقت بين “أصليين” و“وافدين”، وأعادت رسم الحواكير بما يخدم آليات السيطرة. هذه الهندسة السياسية لم تنجح الدولة الوطنية لاحقًا في تفكيكها، بل تراكم فوقها تهميش اقتصادي عميق جعل الإقليم أكثر هشاشة أمام موجات الجفاف والتصحر وعسكرة الريف.

ومع اشتداد الأزمات البيئية وتدفّق السلاح الإقليمي، تحولت المنافسة على الموارد إلى صراع مسلح، ثم إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة المركزية، ليُعاد إنتاج العنف على نحو أعنف عبر ميليشيات محلية جرى استخدامها كأدوات في معركة فقدت بوصلتها. ورغم هذا التعقيد، قُدّمت دارفور في الخطاب الخارجي كقصة أخلاقية مبسّطة، تُناسب منطق التدخل الدولي أكثر مما تعبّر عن السياق الحقيقي للأرض.

كما أنّ تدويل النزاع ألقى ظلالًا طويلة على إمكان الحلول المحلية، إذ تُركت المبادرات التقليدية للمصالحة بلا سند، بينما تصدّر المشهد لاحقًا خطاب عقابي يحمّل طرفًا واحدًا وزر الكارثة، متجاهلًا شبكة العوامل البنيوية التي صنعتها. وهكذا غاب صوت دارفور نفسها، وصعدت بدلاً عنه حملات عالمية تبحث عن “واقعة للتعاطف”، لا عن فهم عميق للأسباب.

إنّ ما تحتاجه دارفور اليوم ليس إعادة تدوير صور الضحايا ولا البحث عن منقذين جدد، بل استعادة تاريخها بوصفه مفتاح فهم حاضرها. فالأزمة ليست حكاية سوداء وبيضاء، بل مسار طويل صنعته السياسة والبيئة وتحوّلات الدولة. وحين يُقرأ الإقليم من داخل تجربته لا من مرايا الآخرين، تظهر الحقيقة كما هي: معقدة، لكنها قابلة للفهم… وقابلة للحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!