رأي

المسيرة العربية السودانية: تاريخ التوسع والرسالة والهوية

د.يعقوب آدم عبد الشافع

 

دكتور يعقوب آدم عبد الشافع

تُعدّ المسيرة العربية السودانية امتدادًا طبيعيًا للتجربة التاريخية الكبرى للفتوحات الإسلامية، التي انطلقت من جزيرة العرب نحو العراق وفارس والشام ومصر وشمال إفريقيا والأندلس، حاملةً رسالة الإسلام للعالم، ومثبتةً للقيم الحضارية والسياسية التي أسست الدولة الإسلامية المبكرة. هذه المسيرة لم تكن مجرد توسع جغرافي، بل كانت عملية متكاملة شملت التربية العسكرية والسياسية والدينية، حيث لعب القادة العسكريون والعلماء دورًا محوريًا في نقل المعارف وتنظيم المجتمعات، مع الحفاظ على وحدة الرسالة والهدف.

لقد تميزت هذه الحملات بقيادة مجموعة من القادة البارزين الذين شكلوا أعمدة التاريخ العسكري والسياسي، من خالد بن الوليد إلى القادة الذين تولوا حملات الفتح في العراق وفارس والشام، وصولاً إلى قادة الفتح في شمال إفريقيا والأندلس. وقد استطاع هؤلاء القادة ليس فقط نقل رسالة الإسلام، بل إقامة مؤسسات اجتماعية وسياسية جديدة، أسست لبنية حضارية تمكنت من الصمود لأكثر من ثمانية قرون، وصولًا إلى نهاية سلطنة غرناطة عام 1492م.

وفي قلب هذا التاريخ، تبرز التجربة السودانية كامتداد طبيعي للمسيرة العربية، حيث سعى العلماء والقادة من بلاد شنقيط إلى بلاد الفونج وسنار إلى توحيد المجتمع على أسس دينامية وقيم مشتركة، ومن بينهم مؤسسو المرابطين، والشيخ يس بن عبدالله الشيبي، والشيخ عبدالله بن عمران الشيبي، وصولاً إلى قادة الوحدة السودانية العربية في العصر الحديث. لقد مثل هؤلاء القادة حلقة وصل بين الماضي المجيد والتحديات الراهنة، حيث حرصوا على توثيق العلاقة بين الهوية العربية الإسلامية والخصوصية السودانية، مع التأكيد على الاستقلالية والقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وفي العصر الحديث، استمرت هذه المسيرة عبر قوات الدعم السريع وغيرها من التشكيلات الوطنية، في مواجهة التطرف والإرهاب، بما يشمل جماعات الإخوان المسلمين وأنصار الفوضى والعنف. لقد أثبتت التجربة أن الدولة الحديثة لا يمكن بناؤها إلا على إرث تاريخي واعٍ ومؤسسات عسكرية مدنية متوازنة، تحمي الوطن ولا تتحول إلى أداة للقوة الفردية أو الانتماءات الخارجية. فالقوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على الحفاظ على سيادتها، وفي صمود مؤسساتها أمام كل التحديات، مع الالتزام بالقيم والمبادئ التي أسستها الرسالة العربية الإسلامية منذ بداياتها.

إن المسيرة العربية السودانية إذًا ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شهادة على قدرة الأمة على الاستمرار والبقاء، رغم التحديات الداخلية والخارجية، وهي دليل على أن الهوية والرسالة يمكن أن تكونا مرجعًا لبناء دولة عصرية قوية، قائمة على العدل والمواطنة، وعلى جيش محترف يخدم الشعب لا مصالح الخارج أو الفئة الضيقة. فالسودان، من خلال هذه المسيرة المتواصلة، يبرهن أن الإرث الحضاري والتاريخي يمكن أن يشكل دعامة أساسية لبناء الدولة الوطنية الحديثة، على أسس مستدامة وراسخة، تحمي المجتمع وتحقق طموحات الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!