
ابو عبدالله الراشدي
“أخطر الحروب ليست التي تُطلق فيها الرصاص، بل التي يُصنع فيها الخراب باسم الدين.”
منذ أن أمسك الإسلاميون بزمام الحكم، دخل السودان أسوأ مراحله السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كانت تلك السنوات الطويلة لحظة انحدار حادّ، حين تحوّل الوطن إلى حقل تجارب لأفكار مغلقة ومصالح شبكية، وحين صارت الدولة غنيمة، والسلطة استبدادًا، والوطنية مجرد شعار يعلو فوق واقعٍ من القمع والفساد والتفكيك المنهجي للمؤسسات. لم تكن البلاد تتقدّم، بل كانت تُساق ببطء نحو الحافة؛ حتى أتى الانفجار الأخير ليكشف حجم الخراب الذي تراكم تحت السطح.
“حين يتقدّم الفساد ويتأخر العقل، يصبح الخراب قدرًا لا مهرب منه.”
اندلعت الحرب الأخيرة على أرضٍ مُنهكة أصلًا، دولة أُفرغت من مؤسساتها، واقتصاد جرى نهبه، ومجتمع جرى تقسيمه وفق الولاءات والمصالح. لم يكن المشهد سوى نتيجة مباشرة لعقود حكم الإسلاميين، الذين تركوا خلفهم دولة ضعيفة يسهل ابتلاعها، وجيشًا تمزقه التسييس، وواقعًا اجتماعيًا هشًا سرعان ما احترق مع أول شرارة. لم تكن الحرب مجرد صراع بين قوتين، بل كانت حصادًا مرًّا لغرسٍ استمر ثلاثين عامًا من الاستغلال والاستبداد.
ومع انفتاح أبواب الجحيم، وجد السودانيون أنفسهم بلا حماية، بلا دولة، بلا ضمانات. نزوحٌ جماعي، انهيار الخدمات، تفكك الروابط الاجتماعية، وتحوّل المدن الكبرى إلى ساحات قتال. ورغم كل ذلك، لم تختفِ إرادة الحياة. فوسط الركام، ظهرت مبادرات شعبية تُنقذ الجرحى، وتؤمّن الغذاء، وتعيد للإنسان السوداني جزءًا من كرامته التي حاولت الحروب أن تسلبها.
“السلام لا يولد من رحم البنادق، بل من شجاعة الاعتراف بالأخطاء وبناء ما تهدّم.”
اليوم يقف السودان أمام فرصة نادرة، ليس لأن الطريق سهل، بل لأن الخراب بلغ أقصاه، ولم يعد هناك ما يمكن خسارته. السلام ليس ترفًا، بل ضرورة بقاء. والانتقال إلى مرحلة جديدة يقتضي مواجهة صريحة مع حقبة الإسلاميين التي يجب أن تُحاسَب، لا أن تُعاد تدويرها. فسلامٌ دون عدالة هو مجرد هدنة، وعدالة دون إصلاح هي خطوة ناقصة، وإصلاحٌ لا يضمن بناء دولة جديدة يعيدنا إلى المربع الأول.
ما يحتاجه السودان الآن ليس اتفاقًا سياسيًا سريعًا، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا يعالج جذور الأزمة: دولة مؤسسات لا تُدار بالولاءات، جيش مهني غير مُسيّس، اقتصاد عادل، ومجتمع يجد نفسه في ظل قانون واحد لا في ظل جماعات متنافسة. هذا هو الطريق الوحيد للخروج من ركام الحرب نحو أفق سلام حقيقي، سلام يليق بشعبٍ صمد أكثر مما يجب، ودفع ثمنًا أكبر مما يحتمل.
إن السودان قادر على النهوض، لأن الشعوب التي تعرف عمق سقوطها تمتلك القدرة على الوقوف. وكل ما يحتاجه هو قيادة صادقة، وإرادة جامعة، وشجاعة مواجهة الماضي بلا تردد. فالحرب أمضت ما يكفي من الزمن، وحان للسلام أن يجد مكانه.




