رأي

الإسلام السياسي والهوس الديني: كيف أضاع السودان؟

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

الإسلام السياسي في السودان لم يكن مجرد مشروع سياسي أو حركة دينية، بل منظومة متكاملة من المعتقدات والسلوكيات التي أعادت إنتاج نفسها لتواكب احتياجات السلطة. حين وصلت هذه الحركة إلى مفترق الطريق مع الدولة الحديثة، لم تتعرض فقط لاختبار الحكم، بل انقلبت على خطابها الأصلي، وتحولت من مشروع يهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع إلى أداة للامتلاك والاستحواذ على السلطة والثروة.

في البداية، حملت الحركة راية الدولة العادلة، وركزت على الأخلاق كمعيار للحكم، وعلى الزهد في الدنيا كرمز للتدين الحقيقي، وعلى الفصل بين الطهارة والفساد، والحق والباطل، والدعوة والدولة. لكن عند احتكاكها بالمؤسسات الحديثة، والدولة، والسيادة، والأجهزة الأمنية، والاقتصاد الريعي، وامتيازات الحكم، بدأت المنظومة تعيد تشكيل ذاتها. لم تعد الغاية الإنسان، بل الدولة وسلطة امتلاكها. الأخلاق صارت غطاءً للفعل، والدين أداة تبريرية لتبرير الفساد والتوسع في القوة والثروة.

تحت هذا الانحراف المنظومي، ظهر نمط جديد من الفاعلين: أفراد يتسابقون على الكسب الحرام، ويستغلون الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، ويجمعون الثروة عبر السلطة، وينشئون القصور والمزارع ويستعرضون النفوذ الاجتماعي. الشركات التي أُنشئت في عواصم بعيدة لم تكن مشاريع وطنية، بل ملاذات آمنة لرؤوس الأموال التي انتقلت من المجال العام إلى الملكية الخاصة، وحُولت الموارد العامة إلى ثروات شخصية.

مع مرور الوقت، لم تعد المنظومة تكتفي بالدولة الرسمية، فأنشأت مليشيات موازية، واستُكملت دائرة الانحراف: من دولة القانون إلى قوة السلاح، ومن المؤسسات الرسمية إلى الشبكات السرية، ومن الشرعية إلى واقع الأمر الواقع. وهكذا أصبح الصراع الداخلي جزءاً من المنطق المؤسسي للمنظومة، حيث صارت الحرب حتمية وليست خطأ عابراً.

ثورة ديسمبر مثلت لحظة كشف حقيقية لهذه المنظومة، إذ لم تكن مجرد انتفاضة سياسية، بل تفكيكاً رمزياً لمشروع السلطة المهيمنة. ومع ذلك، لم تتمكن الثورة من بناء نظام مستقر، إذ واجهت شبكات قديمة ومصالح مترسخة في الأمن والاقتصاد والإدارة، مما أفسح المجال أمام العودة التدريجية للهيمنة القديمة، خطوة بخطوة، إلى أن تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة.

الحرب التي اندلعت كانت نتيجة منطقية لهذا الانحدار، إذ انقلبت المليشيات على صناعها، واستغلّت القوى الإقليمية الوضع لتعزيز نفوذها، محوّلة السودان إلى ساحة صراع مفتوح. النتيجة كانت مأساة مكتملة: مدن دُمرت، آلاف الأرواح زهقت، مواطنون نزحوا، ذاكرة اجتماعية تمزقت، ومدخرات أجيال ذهبت هباء.

اليوم، تحاول المنظومة العودة بوجوه جديدة وأقنعة مختلفة، لكنها لم تعد قادرة على إخفاء جرائمها. المجتمع الدولي يراقب عن كثب، ويبحث في سبل المحاسبة والعقوبات، مؤكدًا أن ما حدث لم يعد مجرد شأن داخلي، بل جرحاً مكشوفاً في الضمير العالمي. السودان يدفع ثمن هوس ديني تحول إلى سلطة طاغية، وأسئلة المستقبل لا يمكن أن تُجاب إلا بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة، لا على أوهام السلطة والاستحواذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!