
محمد أحمد عبدالله قرقر
تمثل القوات المشتركة اليوم واحدة من أكثر الفاعلين العسكريين والسياسيين التباسًا في مشهد الحرب السودانية. فبعد التطورات الميدانية المتسارعة وما شهدته الساحة من تغيّر في موازين القوى، تجد هذه القوات نفسها أمام واقع جديد يتطلب قراءة مختلفة، سواء لطبيعة الصراع أو لموقعها داخل خارطة التحالفات.
منذ اندلاع الحرب، ظلت المشتركة تتبنّى سردية تقوم على حماية المدن ومنع الانهيار الأمني، لكنها لم تستطع تحويل هذه السردية إلى مشروع سياسي واضح، ولا إلى مسار إستراتيجي يحدد علاقتها بالصراع أو الأطراف المتحاربة. وبمرور الوقت، بدأت هذه السردية تفقد جاذبيتها وفاعليتها أمام وقائع ميدانية متغيرة، أبرزها الانكماش الجغرافي، وتراجع القدرة على التأثير، واعتمادها المتزايد على دعم من قيادة عسكرية تواجه إخفاقات متلاحقة.
هذا التناقض بين الخطاب والواقع خلق حالة من الارتباك داخل المشتركة نفسها، وزاد الضغط عليها لإعادة تعريف موقعها ودورها. فالقوى التي لا تُحدد لنفسها غاية سياسية متماسكة، غالبًا ما تتحول إلى عنصر تابع بدل أن تكون فاعلًا مستقلًا. وما يضاعف الأزمة أن القيادات الحزبية الداعمة لخط الحرب ما تزال تراهن على الحسم العسكري رغم أن معطيات الميدان تشير إلى تآكل هذا الخيار يومًا بعد يوم.
التحدي الأكبر أمام المشتركة اليوم ليس عسكريًا بقدر ما هو استراتيجي. فهي أمام ثلاثة طرق:
الأول، استمرار تبعيتها للقيادة التقليدية التي فقدت زمام المبادرة؛ والثاني، الانكفاء والتموضع الدفاعي بما يحفظ وجودها دون قدرة على التأثير؛ والثالث، وهو الخيار الأكثر واقعية على المدى المتوسط، إعادة صياغة موقعها داخل مسار سياسي جامع يتجاوز الرهانات القديمة وينفتح على ترتيبات جديدة تضع مصلحة البلاد فوق الاصطفافات.
إن المدن التي تتمركز فيها المشتركة – خصوصًا في الشمال والشرق – لم تعد تمثل ضمانة طويلة المدى، إذ تشير المعطيات إلى تحولات جذرية في بوصلة الصراع قد تجعل تلك المناطق جزءًا من معادلات جديدة. ومع كل يوم يمر، تتقلص خيارات المشتركة ما لم تُقدم على خطوة شجاعة تضعها في الجانب الصحيح من حركة التاريخ، وتمنحها مساحة للمشاركة السياسية مستقبلًا بدل أن تكون خارج المشهد.
الخلاصة أن المشتركة اليوم أمام لحظة فاصلة. فإما أن تُعيد تعريف سرديتها وتحوّل نفسها إلى طرف فاعل في مشروع وطني جامع، أو تستمر في مسار سيجعلها الخاسر الأكبر، سياسيًا وأخلاقيًا، مهما كانت نتائج الحرب.




