حين يتجاوز الصوت المسافة: كيف كشف اتصال تعزيةٍ واحد عمق الإيمان بقضية الهامش؟
الفاضل حمدين الناير

الفاضل حمدين الناير
لم يكن الاتصال الهاتفي الذي أجراه السيد عبد الرحيم دقلو مع أسرة الفنان الراحل إبراهيم إدريس مجرّد تعزية عابرة، بل كان حدثًا يحمل دلالات تتجاوز طبيعته البسيطة. فهناك لحظات في مسار قضايا الشعوب لا تُقاس بحجم الخطوة، بل بمدى صدقها ورمزيتها. وهذا الاتصال، رغم بساطته، كشف عن عمق العلاقة بين القيادة والمجتمعات التي تشكّل عصب الهامش وروحه وذاكرته الثقافية.
كان الشهيد الفنان إبراهيم إدريس أحد الأصوات التي أخرجت تراث البادية من الهامش إلى قلب المشهد، ونجح في أن يجعل من الأغنية نافذةً للهوية، ومن التراث أداة مقاومة ناعمة تُذكّر الناس بأن الأرض ليست ترابًا فحسب، بل ذاكرة وكرامة. لذلك، لم يكن رحيله حدثًا اجتماعيًا عاديًا، بل كان رحيلًا يحمل وجعًا مضاعفًا؛ وجع الفقد، ووجع اللحظة السياسية الثقيلة التي يمر بها أبناء الهامش.
ورغم أن التعزية جاءت عبر الهاتف، فقد كان وقعها واضحًا على أهل الشهيد الذين اجتمعوا في صيوان يغمره الصبر لا الانكسار، والإيمان لا التردد. كانوا يرددون ما يشبه الحكمة القديمة: “الرجال تُعرف عند الفاجعة، لا عند الفرح.” وقد كان هذا المشهد، بتفاصيله الصغيرة، إعلانًا جديدًا بأن قضية الهامش ليست طارئة ولا آنية، بل هي قضية متجذّرة في وجدان الناس، قائمة على إحساس عميق بالعدالة وحق الحياة.
لقد كان واضحًا أن الألم لم يُضعفهم، بل زادهم تمسّكًا بالأمل. وهذا ما يفسّر كيف أن مشاعرهم، رغم مرارة الفقد، كانت مشحونة بطاقة معنوية عالية. فقد فهموا أن صوت التعزية لم يكن مجرد كلمات مواساة، بل كان رسالة انتماء، تقول لهم إن المسألة أكبر من الفرد، وإن الرحيل، مهما كان قاسيًا، لا يطفئ جذوة القضايا التي تقوم على المظالم التاريخية. وكما يقول الحكماء: “الحقّ قد يتأخر، لكنه لا يتراجع.”
إن قضية الهامش اليوم تقف عند نقطة تحوّل. فالمجتمعات التي عانت طويلًا من الإقصاء تُدرك أن لحظة التغيير ليست وعدًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. هذا الوعي المتنامي هو الذي يجعل أبناء الهامش مستعدين لتحمّل الفقد والتضحيات، ليس بدافع الغضب، بل بدافع الإيمان بأن “من عرف قيمة نفسه، لا يقبل أن يعيش صغيرًا.” هذا الإيمان هو القاعدة الصلبة التي يبنى عليها أي مشروع تغيير حقيقي.
لقد أظهر هذا الاتصال الهاتفي أن العلاقة بين القيادة والناس أصبحت أكثر عمقًا من أي وقت مضى، وأن الصوت مهما كان بعيدًا قادر على اختراق المسافات إن كان صادقًا. فالقضايا الكبرى لا تحتاج إلى حضور جسدي، بل إلى موقف. وهذا ما جعل مشهد التعزية يُقرأ سياسيًا بقدر ما يُقرأ إنسانيًا.
وربما لهذا السبب ظل صيوان العزاء، رغم رحيل صاحبه، عامرًا بالتصميم والأمل. فالهامش، الذي لطالما حاول البعض تهميشه، يثبت اليوم أنه الأكثر قدرة على الصمود، والأكثر استعدادًا لصناعة مستقبل مختلف. وليس أدلّ على ذلك من الحكمة التي ردّدها بعض المعزّين:
الأرض لا تحمي أبناءها بالذكريات… بل بالذين يرفضون أن تُنسى.
وهكذا، لم يكن الاتصال مجرد واجب اجتماعي، بل كان لحظة عميقة تؤكد أن قضية الهامش ما تزال حيّة، وأنها تمضي بثبات نحو غاياتها، مستندة إلى إيمان لا تهزه الفواجع، وشعب يعرف أن طريق التغيير يبدأ من امتلاك صوت لا يخاف أن يُسمع.




