
أحمد باتيه
لم تكن معركة هجليج مجرد صراع على حدود أو سيادة، بل كانت مرآة حقيقية تكشف عن أولويات الكيزان. في كل الشعارات التي رفعوها عن السيادة الوطنية والدفاع عن الوطن، تبيّن لاحقًا أن كل ذلك لم يكن سوى قشرة رقيقة تغطي الحقيقة الفعلية: أن النفط والعائدات الاقتصادية أهم بالنسبة لهم من الإنسان والوطن.
كيف يمكن الحديث عن حماية المواطنين حين يكون أول من وافق على دخول قوات أجنبية بعد الاتفاق؟ القضية لم تكن يومًا حماية الأرواح أو الدفاع عن الأرض، بل الحفاظ على مصالح مالية مباشرة. بعد اتفاق هجليج، تلاشت كل الشعارات الجميلة عن الوطنية والمبادئ، وبقيت حقيقة واحدة واضحة: المال يتحرك، إذن كل شيء مباح.
رفع الكيزان شعارات لا للسلام – نعم للحرب ليس صدفة، بل لأن الحرب بالنسبة لهم أصبحت تجارة مربحة، والسلام يشكل تهديدًا لمصالحهم ونفوذهم. المواطن بالنسبة لهم دائمًا في المؤخرة، أما مصالحهم فهي في المقدمة. كل خطاب عن حماية الدولة أو الدفاع عن الوطن تبخر أمام الرغبة في الاستفادة الاقتصادية من النزاع.
الحملة التي روجوا لها باستمرار بأن قوات الدعم السريع تشكل عقبة أمام السلام انهارت سريعًا مع انكشاف مصالحهم الحقيقية. لم تكن المشكلة في طرف النزاع بقدر ما كانت في من جعل الحرب سوقًا ومكسبًا، في من يربح من استمرار النزاع، وليس من يسعى لإنهائه. هجليج أظهرت هذا الوجه بوضوح، وأسقطت كل الشعارات المزيفة، لتبرهن أن الحقيقة أسهل مما اعتقد الجميع: من يتربح من الحرب لن يسعى لصنع السلام.
الهزيمة الرمزية للكيزان في هجليج لم تكن فقط على الأرض، بل في مصداقيتهم وفكرهم السياسي. فقد بات واضحًا أن أي حديث عن الوطنية أو حماية المواطنين لم يكن سوى أداة لتغطية مصالحهم الخاصة. أما القوى الأخرى التي تسعى للسلام والحفاظ على حياة المدنيين، فقد أظهرت أن الإرادة الحقيقية لصنع السلام تتطلب الابتعاد عن من يحول الحرب إلى تجارة.
هجليج إذًا ليست مجرد موقع استراتيجي، بل لحظة كشف حقيقية: الحرب ليست صراعًا على وطن، بل صناعة مصالح شخصية ومالية، والسلام ليس سوى خطر على مكاسب البعض. وبالنهاية، أصبح واضحًا أن من يربح من النزاع لن يضحي بربحته لصالح أي شعارات وطنية.



