رأي

الفنان إبراهيم إدريس؛ رسالة لم تكتمل

د.فاطمة الزين الغالي ... كليفورنيا

 

د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا

كان الفن، عبر التاريخ، أحد أكثر الرسالات الإنسانية عمقًا وقدرة على اختراق جدران الروح. فهو لا يُعنى بزخارف الحياة ولا يطلب لنفسه منصبًا أو جاهًا؛ وإنما يتغلغل في الوجدان، يعيد تشكيل الذاكرة الجمعية، ويمنح الشعوب القدرة على الحلم، والقدرة على البقاء. والفنان، في هذا السياق، ليس مجرد صاحب صوت أو عازف يملأ الفراغ بالأنغام، بل رسولٌ تتجسد في ملامحه حكمة الأرض، وتتوهج في صوته روح الجماعة. وهكذا كان إبراهيم إدريس؛ رسالة فنية لم تكتمل، وصدىً إنسانيًا انقطع على حافة الخراب.

 

رحيل إبراهيم إدريس، صوت البادية الرفيع، ليس حدثًا عابرًا ولا خبرًا يُطوى في هامش يومٍ ثقيل. إنه انكسار خطير في مسار الأغنية الدارفورية، وانطفاء مصباح ظل لعقود يضيء الطريق أمام تراث البادية وروايات الريف ونغم الأرض التي تفيض بالحياة مهما اشتد عليها الجفاف والقسوة. إن الذين قتلوا إبراهيم إدريس لم يقتلوا فردًا، ولم يطفئوا حياة عابرة؛ لقد قتلوا وجدان أمة كاملة عاشت طويلاً وهي تدفع ضريبة الهامش، وتقاتل كي يبقى صوتها حاضرًا في خارطة وطنٍ لم ينصفها يومًا. بقتله، ذُبح الضمير الجمعي الذي ظل يتشبث بالغناء بوصفه آخر ما تبقى للإنسان حين يفقد كل شيء.

كان إبراهيم إدريس يدرك تمامًا أن موسيقى الريف ليست ترفًا، وأن أغنيات البادية ليست مجرد رقصات أو مواويل تُردد في جلسات السمر، وإنما هي ذاكرة شعب، وبوابة الوعي الأولى، ومنبر للاحتجاج، ولغة تترجم ما لا يستطيع السياسي أن يقوله ولا الجرائد أن تكتبه. لذلك كان صوته يرتفع بجرأة، وكان حضوره الفني أشبه بوقفة شجاع في قلب المعمعة. لم يكن إبراهيم فنانًا عابرًا، بل كان أحد أعلى الأصوات في تاريخ الريف الدارفوري، وأكثرها صدقًا ونقاءً وقدرة على إشعال الحياة في صدور الناس.

كان أيضًا رجلًا جسورًا، من طينة الرجال الذين لا يهابون الوغى. وقد صاغت البادية في وجدانه قيثارة لا تشبه أي قيثارة؛ قيثارة تولد مع الفجر، تُعمدها الرمال، وتنضج في حضن الريح، وتكبر في ظل القصص التي يرويها الرعاة والنُّساك والمسافرون. ومن هذه القيثارة وُلد فن إبراهيم: شديد البساطة وشديد العمق في آن، ينهض من الأرض ويمضي إلى السماء، لا يتشابه مع أحد ولا يريد لأحد أن يشبهه.

ولم تكن شجاعة إبراهيم مقتصرة على الموقف الفني وحده؛ فقد كان رجلًا يعيش الفن كما لو كان حياة ثانية، حياة تُكتب بالعزف، وتُحفر بالوجدان، وتُؤدى بقدسية من يعرف أن رسالته أكبر من صوته وأوسع من ألحانه. ومن هنا جاء هذا الرحيل الفاجع وكأنه قطعٌ لرسالة لم يحن زمان اكتمالها؛ رسالة كان يمكن أن تتحول إلى مدرسة كبرى لو لم تُغتل قبل موعدها.

نم غرير العين يا إبراهيم، في معية الصالحين الأولين؛ نم مطمئنًا، فإن قيثارتك ستظل صادحة فينا أبدًا، وستبقى أغنياتك تسري في العروق كأنها ماء الحياة، تُوقظ الوعي، وتُعيد للريف صوته، وللبادية كبرياءها، وللسودان بعضًا من روحه التي ضاعت بين الحرب والخذلان. سيظل اسمك حيًا، لا لأنك كنت فنانًا عظيمًا فحسب، بل لأنك كنت ضميرًا مكلومًا، ورسالـة واقفة على باب الوطن، لم تُتح لها الفرصة لتكتمل، ولكنها ستظل تُلهم من يأتي بعدك، وتذكّرهم بأن الفن ليس قطرة صوت، بل وطن بأكمله حين ينطق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!