رأي

هجليج… الشرارة التي قلبت موازين السودان وفتحت الطريق نحو دولة الولايات المتحدة السودانية

دكتور يعقوب عبد الشافع

 

دكتور يعقوب عبد الشافع رئيس حركة الإصلاح والتجديد

شهد السودان بعد التحولات العسكرية الأخيرة، وبشكل خاص بعد تحرير منطقة هجليج الاقتصادية الحيوية، انتقالًا نوعيًا في مسار الدولة، انقلابًا في الاتجاهات، وانكشافًا لحقيقة أنّ هذا البلد ليس فقيرًا كما صُوّر، بل من أغنى دول العالم بموارده، وأفقرها إدارة وتنظيمًا. فالفشل التاريخي في استثمار الإنسان السوداني وإدارة الموارد المتنوعة جعل السودان يعيش عقودًا من التعثر بين فوضى السياسة المدنية ومغامرات الانقلابات العسكرية، وكأن الدولة محاصرة بين قصر غردون وقيادة ونجت باشا في حلقة مفرغة لا تنتهي.

وقد لعبت أقلية الجلابة دورًا محوريًا في هذا التعطيل التاريخي، بإدارة قاصرة لا تمتلك مشروعًا وطنيًا شاملًا، مما جعل السودان يتحول إلى منصة مجانية لكل التجارب الفاشلة. وتحوّل أبناؤه إلى عمالة رخيصة تُرسل إلى صحارى الخليج، فيما ظلت ثرواته الطبيعية والبشرية دون إدارة علمية أو إرادة سياسية رشيدة. ولعل مشهد الهروب الجماعي نحو بورتسودان ودول الجوار خير دليل على عمق الانهيار الذي بلغته الدولة.

ومع سقوط المشروع الإسلاموي وانقسامه بين المؤتمر الوطني والشعبي، ثم تعميق انهياره عبر إشعال الحرب بين الجيش والدعم السريع، بدا واضحًا أن الحركة الإسلامية انتهت فكريًا وسياسيًا، وأن مشروعها لم يعد قادرًا على البقاء أو التجدد. وهنا برزت ضرورة الانتقال إلى مرحلة السودان الجديد، التي تتشكل من وعي القبائل السودانية بحقوقها وواجباتها، ومن إدراكها أن النزاعات الداخلية طريق مسدود، وأن المستقبل مرهون بوحدة الشعب لا بتمزقه.

ولأن تحرير هجليج أعاد القرار الاقتصادي إلى يد السودانيين، فقد بات مطلوبًا تدشين مؤتمر التسوية الوطنية الشامل، بوصفه نقطة البداية لبناء الدولة الجديدة. ويجب أن تكون أبرز أجندته:

– الاتفاق على القيادة الوطنية والفكرة الجامعة.

– تحقيق الوحدة والتنظيم السياسي الشامل.

– صياغة دستور دائم وسن قوانين عادلة.

– تكوين قوات نظامية مهنية وموحدة.

– اختيار الكفاءة الوطنية في المؤسسات دون محاصصة.

– إصلاح المناهج وربط التعليم بالبحث العلمي والابتكار.

وضع منطلقات علمية للتقنية والصناعة والاكتشاف.

وفي قلب هذا المشروع الوطني، يأتي خطاب خاص إلى أمتي الفور والنوبة، بوصفهما عمق السودان الاجتماعي والتاريخي. فهما مدعوتان إلى تقديم النموذج في القبول، والرضا، والاعتراف، والاعتذار المتبادل، والصدق، والأمانة، والتجرد، والعفو، والتسامح. وهي قيم لا تقوم دولة عادلة بدونها، ولا يتحقق أمن مستدام إلا عبرها. إن وحدة رموزها الحلو، كباشي، كبرون، واردول تمثل مفتاحًا لباب الاستقرار والتحول الحقيقي.

والهدف النهائي لهذا المسار هو تأسيس نموذج دولة الولايات المتحدة السودانية: دولة علم ومعرفة وتقنية، دولة تستوعب الجميع دون إقصاء، دولة تنطلق من واقعها إلى المستقبل الذي سبقت إليه الأمم حتى تجاوزت سطح القمر. وما تزال أمام السودانيين فرصة الانتقال من النظرية إلى العمل، ومن زمن الانقسام إلى عهد الوحدة، ومن الخراب إلى النهضة.

لقد أصبحت لحظة التغيير كاملة بعد تحرير هجليج؛ وما تبقى هو أن ينعقد مؤتمر التسوية الوطنية الشامل ليكون حجر الأساس لبلد جديد… بلدٍ يستحقه السودانيون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!