
علي سانتينو
لا يمكن لمن يتابع الاوضاع في السودان اليوم أن يصدّق حجم الانهيار السياسي والأخلاقي الذي وصلت الية مجموعة بورتسودان، ولا يمكن للعقل السليم أن يجد تفسيراً لهذا التخبّط سوى أن السودان أصبح رهينة بأيدي مجموعات متصارعة، كلٌّ منها يجرّ البلاد نحو الهاوية التي تناسب أطماعه. ما جرى مؤخراً حين أعادت الرباعية بقيادة الولايات المتحدة فتح الملف السوداني باهتمام اكبر، واللقاء المثير بين ترامب ومحمد بن سلمان كشف بوضوح فاضح أن السودان لم يعد يملك حتى رفاهية اتخاذ القرار، لان بن سلمان اكد خلو البلاد من اي حكومة، وأن قيادة الجيش تتجه حيث تهب رياح الاسلامويين لا حيث تقتضي مصلحة البلاد!
الفضيحة السياسية بدأت منذ ان أسرع البرهان والإسلاميون على حد سواء قبولهم تصريحات ترامب وولي العهد السعودي إلى واجهة التعامل الجديد مع الأزمة السودانية، وكأن هؤلاء ينتظرون وصياً دولياً يخبرهم كيف يخرجون من الحرب التي أشعلوها بأيديهم. لكن سرعان ما انقلب المشهد، حين ظهر البرهان يوم امس في القطينة وكأنه عبد مأمور، يتراجع عن موقفه، ويلفظ كلمات مضطربه، الرجل يعرف تماماً أنه مجرد واجهة تتحكم فيها قوى أخرى خلف الستار. وعندما خرج الإسلاميون على لسان المسؤول السياسي للحزب المحلول الحاج ادم ليرفضوا صراحة وقف إطلاق النار، لم يفعلوا ذلك لأنهم يملكون رؤية أو مشروعاً، بل لأنهم ببساطة لا يريدون نهاية للصراع إلا إذا كانوا على المشهد السياسي! هؤلاء لا يرون السودان دولة بقدرما يرونه ساحة معركة أبدية يريدون أن يبقوا فيها أبطالاً مزيفين مهما كان الثمن!
المشهد كله لا يوحي سوى بأن البرهان محاصر بالكامل داخل قفص صنعته له الحركة الإسلاموية. فالجيش الذي يفترض أنه مؤسسة سيادية تحول إلى أداة بيد مجموعة عقائدية لا تؤمن إلا بسيطرة شاملة أو دمار شامل. والبرهان، الذي كان يمكن أن يلعب دور قائد الجيش، اختار أن يكون مجرد منفّذ لإرادة هؤلاء، يخاف مفارقتهم أكثر مما يخاف انهيار الجيش نفسه. إن عجز قائد الجيش عن اتخاذ أي خطوة نحو التفاوض لنهاية الحرب، وتراجعه المذل أمام صراخ الإسلامويين، يفضح أنه فقد اي قدرة على اتخاذ قرار مستقل، وأنه ليس سوى قائد صوري يناور خوفاً من إغضاب من يحمون كرسيه الواهي!
وعلى الرغم من ذلك، فإن الرباعية وخصوصاً في ظل عودة ترامب المحتملة لن تقف طويلاً أمام هذا العبث. فالعالم يدرك اليوم أن البرهان لم يعد قادراً على لعب دور الشريك الدولي، وأنه يفتقر إلى الاستقلالية التي تسمح له بتنفيذ أي التزام سياسي. وإذا استمر في الارتهان للإسلامويين بهذه الصورة المزرية، فإن الرد الدولي لن يكون تحذيراً دبلوماسياً عابر، بل تحركاً مباشراً يعيد ترتيب البيت السوداني ولو بالقوة السياسية والعسكرية. البرهان يعتقد أنه قادر على المناورة بين الضغوط، لكنه لا يرى أن الزمن تجاوز قدرته على هذه الألعاب الصغيرة، وأن الأطراف الدولية التي راهن عليها لن تنتظر شخصاً بلا قرار!
الحقيقة الموجعة هي أن السودان اليوم يدار بمنطق العصابات لا بمنطق الدولة، وأن الإسلامويين الذين يرفضون وقف إطلاق النار يعتقدون أن استمرار الحرب هو طوق النجاة الوحيد لهم بعد سقوطهم السياسي في 2019. والكارثة أن قائد الذي كان يفترض أن يحمي البلاد من مثل هذا التوحش الارهابي أصبح واحداً من أدواته. وإذا لم يخرج من هذا الطوق الخانق، فسيتم إخراجه رغماً عن انفه، وسينتهي دوره كما انتهت أدوار كل من وضع نفسه في خدمة جماعة لا تعرف إلا التخريب وتفسيم الشعوب!
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، ومزيد من العقوبات والانهيار، ومزيد من كشف الحقيقة التي يحاول البرهان إخفاءها خلف الحرب، أنه رجل فقد القيادة، وفقد الاحترام الدولي، وفقد القدرة على أن يكون جزءاً من أي حل سلمي يجنب البلاد الانهيار. السودان اليوم لا يسقط بسبب قوة أعدائه، سيسقط بسبب ارتهان جيشه، وبسبب جماعة تحارب بالاعلام والكذب حتى تجر البلاد نحو الخراب متوهمة أنها تملك تفويضاً من السماء!
وإن لم ينتهِ هذا العبث السياسي قريباً، فإن من سيسقط ليس البرهان، ولا الإسلاميون، لكن ما تبقى من دولة اسمها السودان.




