
نجم الدين دريسة
لم تكن قضية قرناص حادثة عابرة ولا قصة شخصية تستمد إثارتها من تفاصيل خاصة؛ بل هي إحدى أكثر القضايا دلالة على طبيعة المنظومة التي حكمت السودان لعقود، منظومة تشتبك فيها السلطة بالمال، والدبلوماسية بالفساد، والنفوذ بالغسيل الدولي للأموال. لذلك؛ لم يكن غريبًا أن يتنادى الإخوان المتغلغلون في أجهزة القضاء القطري، في لحظة واحدة، لمحاولة تحويل مقال الدكتور الوليد آدم مادبو إلى منصة اتهام ضده، وكأن الرجل ارتكب جريمة حين كشف ما يعرفه الجميع ويتوارى عن ذكره الكثيرون.
قضية قرناص ليست سوى رأس جبل الجليد في منظومة فساد عالمي مرّ عبر الخرطوم، وتدفقت عبرها الأموال، وتحوّلت فيها البلاد إلى محطة تستخدمها هيئات دولية وأجهزة ظلّ في عمليات غسيل أموال ضخمة تسترت خلف واجهات المساعدات والمشروعات الأممية. ولأن قرناص كانت جزءًا من هذه المنظومة، لم يكن ارتباطها بثلاثة وزراء خارجية مسألة عاطفية أو سلوكًا شخصيًا، بل كان بحثًا عن الحماية الدبلوماسية التي تؤمن لها حصانة كاملة من أي مساءلة، خاصة بعد أن فصلتها لجنة إزالة التمكين، ثم أعادها هؤلاء أنفسهم للخدمة بجسارة مريبة.
إنّ ما قاله مادبو في مقاله لم يكن تجنيًا ولا استهدافًا. بل كان توصيفًا لمشهد ظلّ السودانيون يتداولونه همسًا في مجالسهم، ويتناقلونه بين الأسافير والصحف، ويعرفه كل من اطّلع على طريقة إدارة الدولة خلال حقبة التمكين. الفساد الذي تورطت فيه شخصيات دبلوماسية كبرى ليس سرًا، والعلاقات التي استخدمت بوصفها «تمريرًا» لمصالح مشبوهة ليست من ابتكار الوليد، بل من صناعة المنظومة ذاتها التي تحاول اليوم التنصل من ماضيها.
لكن لماذا يستميت الكيزان اليوم في ملاحقة مادبو؟
السبب بسيط: مقاله لم يطعن في شخص، بل طعن في منظومة.
هو لم يكتب عن «قرناص» بوصفها فردًا؛ بل بوصفها نافذة على شبكة فساد خبّأت أموالًا، ومررت صفقات، وأدارت أعمالًا قذرة تحت غطاء السيادة الدبلوماسية. لذلك ارتجفت المنظومة، لأن ضرب أحد أطراف الشبكة يعني، بالضرورة، اهتزاز البقية.
لسنا أمام رد فعل غاضب من سيدة تشعر بأنها تعرضت للإساءة؛ بل أمام جهاز كامل يريد أن يستخدمها كمطية لتصفية حسابات سياسية مع أحد أكثر الأصوات جرأة في كشفهم: الدكتور الوليد مادبو.
إنّ مادبو، برغم لغته اللاذعة وسخريته التي تقطر مرارة، لم يكن يومًا مجرد كاتب رأي؛ الرجل خبير في الحكم والسياسة والإدارة، ويمتلك شبكة من المعرفة والتحليل تجعله قادرًا على قراءة ما يتوارى خلف تفاصيل الأحداث. ولذلك؛ كان مقاله حول قرناص أكثر من مجرد نصّ صحفي: كان إضاءةً على منطقة ظلّ تحاول المنظومة القديمة إبقاءها في العتمة.
الطريف أن الكيزان الذين خرجوا اليوم يتباكون على «السمعة» هم ذاتهم الذين كانوا – عبر صحفهم وأقلامهم – يمارسون القتل المعنوي بحق خصومهم السياسيين بلا رحمة. كم من شخصية عامة هشموا صورتها؟ كم من قيادي كتبوا عنه ما «لم تقله الخمرة في مالك»؟ كم من النساء والرجال دمّرت حياتهم بسبب صحافة الحزب، وكتّابه، ومنابرهم الإلكترونية؟
لكن حين يأتي الدور على أحد أذرعهم، يصبح النقد «تجريمًا»، والسخرية «إساءة»، وذكر الوقائع «انتهاكًا لخصوصية الدولة»!
ما لا يريدونه أن يُقال هو أن الشخصية العامة ليست فوق النقد، وأن الأدوار الخطيرة التي مارستها بعض الشخصيات في الدولة ليست محصّنة من المساءلة. فإذا كانت صحف الرأي العام السودانية قد تجاوزت كثيرًا في نقدها لزعماء وأحزاب وأسر سياسية كبيرة، فكيف يصبح ما قاله مادبو – وهو أقل بكثير مما قيل سابقًا – جريمة؟
الجواب: لأن المقال مسّ منطقة حساسة، وأعاد فتح ملف ظلّ الإخوان يريدون دفنه منذ سقوط حكمهم.
قرناص ليست مجرد شخص؛ هي عقدة بين السلطة، المال، الاستخبارات، والفساد العابر للحدود. ولذلك فإن أي تناول لقضيتها سيقود حتمًا لكشف أكبر: من الذي كان يحمي؟ من الذي كان يمول؟ وما هي الهيئات التي استخدمت السودان محطة لغسيل الأموال؟
كل هذه الأسئلة يعرف الكيزان أنها ستفتح عليهم أبواب جهنم، ولذلك قرروا بدلًا من الرد الموضوعي، مهاجمة مادبو نفسه عبر القضاء القطري الذي يتغلغلون فيه، لعلهم يكممون صوته. لكنهم نسوا أن صوت الوليد ليس صوت فرد؛ إنه صوت قاعدة اجتماعية واسعة ملّت الكذب، وتعبت من خداع الإسلاميين، وذاقت على أيديهم كل أصناف الويل والعذاب.
إنّ محاولة تجريم مادبو ليست سوى جولة جديدة من معركة طويلة يخوضها الشعب السوداني ضد من دمّروا دولته، وخرّبوا مؤسساته، وأغرقوه في الدم والفقر والمؤامرات. وهي محاولة بائسة، ستسقط كما سقط كل ما حاولوا فيه الالتفاف على الحقائق.
الوليد لم يكتب مقالًا انتقاميًا، بل كتب حقيقة مُرّة يعرفها كل من عاش تجربة التمكين. وإن كانت المنظومة ترتعب من مقال، فذلك لأن المقال كشف ما ظلوا يديرونه في السرّ.
أما قرناص، فليست سوى مفتاح لبوابة أكبر: بوابة الغسيل القذر الذي يجب أن يفتح آجلاً أو عاجلًا أمام لجنة تحقيق دولية تُعيد للسودان بعضًا من كرامته التي سُرقت.
وما بين الحقيقة والتخويف، سيبقى صوت الوليد عاليًا، وسيبقى الكيزان يركضون خلفه ببلادة… لأن الحقيقة دائمًا تظل أسرع منهم.




