
د/ لوكا بيونق
في مارس من هذا العام، اندلع صراع في مقاطعة ناصر بولاية أعالي النيل، مما أدى إلى توقف العمل باتفاقية حل النزاع في جنوب السودان المُنشَّطة لعام 2018م ، وذلك بعد دخول قوات دفاع شعب جنوب السودان وقوات الجيش الشعبي في المعارضة والجيش الأبيض المتحالف معها في مواجهة عسكرية مباشرة. وقد أدت هذه التطورات إلى وضع الدكتور ريك مشار—النائب الأول لرئيس الحكومة الانتقالية المُنشَّطة لوحدة جنوب السودان ورئيس الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة تحت الإقامة الجبرية، إضافة إلى اعتقال عدد من كبار قادة حركته كما فرّ بعض القيادات، بمن فيهم النائب الأول لرئيس الحركة، إلى خارج البلاد طلباً للحماية.
وفي أعقاب ذلك، انقسمت الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة ، وبات الدكتور ريك مشار وعدد من القادة يواجهون محاكمات بتهم تشمل القتل، الخيانة، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقد وصف الناطق باسم الحركة هذه التهم بأنها “مطاردة سياسية”، و”محاكمة صورية” أمام “محكمة غير شرعية”. ويرى كثير من المراقبين أن هذه المحاكمة ذات دوافع سياسية وتشكل مؤشراً على تفكك اتفاقية السلام المنشطة وبغض النظر عن العوامل المؤثرة فيها، فإن إجراءات هذه المحاكمة تشكل اختباراً مهماً لسيادة القانون والقيم المدنية في الدولة الوليدة. ويعتقد العديد أن الحكم النهائي—إدانة أو تبرئة—سيكون له تأثيرات بعيدة المدى على مسار السلام ومستقبل الاتفاقية، ما لم تُحل النزاعات عبر الحوار وآليات فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاقية.
وقد شهدت الحركة الشعبية لتحرير السودان في الحكومة )—الحزب الحاكم في حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية لعام 2015—حالة من التغييرات والانقسامات الداخلية، أدت إلى إعادة تشكيل واسعة في قيادتها، بما في ذلك إعفاء قيادات تاريخية مثل الدكتور جيمس واني إيقا، النائب الأول لرئيس الحزب والنائب الثاني لرئيس وتلا ذلك تغييرات متكررة في مناصب الوزراء، خصوصاً وزير المالية، محافظ البنك المركزي، رئيس هيئة الأركان للجيش، وعدد من وكلاء الوزارات.
ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن إعادة تعيين الدكتور جيمس واني إيقا نائباً أول لرئيس الحزب والدولة، وإعادة تعيين الفريق أول بول نانق رئيساً لأركان الجيش، وتعيين المبعوث الرئاسي للبرامج الخاصة السيدة أدوت سلفا كير، إلى جانب تعيين قادة قدامى في الجيش الشعبي مثل فيانق دينق، أفريكانو ماندي، ومبيور جون قرنق، قد أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار داخل الحزب الحاكم والجيش الوطني والدولة.
كما شهدت بقية الأطراف الموقعة على اتفاقية تحالف المعارضة والأحزاب الأخرى والمعتقلون السابقون انقسامات حادة، خصوصاً داخل تحالف سوا .
إلى جانب هذه الانقسامات، تزايدت حالة عدم الثقة بين الأطراف الموقعة على الاتفاقية، ويعزو معظمهم ذلك إلى غياب الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ بنود الاتفاق. وقد عبّر أحد أعضاء هذه الأطراف عن أن المأزق الحالي ناجم عن تأخير متعمد وانتهاكات مقصودة للاتفاقية.
كل ذلك يشير إلى أن اتفاقية السلام المنشطة تعاني صعوبات كبيرة في تحقيق أهدافها المتعلقة بالسلام والانتقال الديمقراطي، ويمكن القول إنها في “حالة حرجة” أو “تحت العناية المركزة”. ومع ذلك، يرى الكثيرون أنها—سواء كانت في المشرحة أو في وحدة العناية—لا تزال الآلية الوحيدة المتاحة لجمع الأطراف على مسار السلام بدلاً من العودة إلى العنف.
ومع ما يُوصف على نطاق واسع بوجود تأخير متعمد في تنفيذ الاتفاقية وغياب الإرادة السياسية، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن إجراء الانتخابات في ديسمبر 2026؟
ففي سبتمبر 2024، اتفقت الأطراف على تمديد الفترة الانتقالية لعامين، مع تحديد موعد الانتخابات في ديسمبر 2026، مؤكدين أن هذا التمديد سيكون الأخير. كما كررّت مفوضية المراقبة والتقييم المشتركة الالتزام ذاته. وعلى الرغم من تراجع حماس المواطنين بسبب تكرار التأجيلات، فإن استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر دعماً واسعاً لإجراء الانتخابات، رغم مخاوف العنف.
وقد ذكّر الناشط إدموند ياكاني من منظمة سيبو الأطراف بجملة من الالتزامات القانونية وفق قانون الانتخابات الوطني لعام 2012 (المعدل 2023):
أولاً: دستور دائم غير موجود
تشترط اتفاقية السلام المنشطة أن تُنظَّم الانتخابات وفقاً للدستور الدائم. وبما أن الدستور الدائم لم يُقر بعد، فإن قانون الانتخابات الحالي—المستند إلى الدستور الانتقالي لعام 2011—يُعد باطلاً لإجراء انتخابات 2026، ما لم يُعَدّل الاتفاق لفصل القانون عن الدستور الدائم.
ثانياً: ترسيم الدوائر الانتخابية قبل عام من الانتخابات
يفترض أن تُنشر أسماء وحدود الدوائر بحلول 22 ديسمبر 2025. لكن غياب التعداد السكاني يجعل من المستحيل تقريباً إضافة 56 دائرة جديدة كما ينص القانون. وقد تضطر المفوضية إلى التوصية بالحفاظ على الدوائر الـ102 القديمة كما كانت في انتخابات 2010.
ثالثاً: إعلان موعد الانتخابات
ينص قانون الانتخابات على إعلان موعد الانتخابات قبل ستة أشهر على الأقل، أي بحلول 22 يونيو 2026. وهذا يتطلب توفر الدوائر الانتخابية مسبقاً، وهو ما يبدو غير ممكن حالياً
رابعاً: حلّ الحكومة والبرلمان قبل الانتخابات
يفترض أن يحل الرئيس البرلمان والحكومة القومية وحكومات الولايات بحلول 22 سبتمبر 2026، إيذاناً بانتهاء نظام المحاصصة. لكن يُعتقد أن النخب الحاكمة ستسعى إلى تجنب هذا الاستحقاق وقد تلجأ إلى المادة 8.4 من الاتفاقية لتمديد الفترة الانتقالية مرة أخرى، رغم أن مصادر موثوقة تشير إلى أن الرئيس غير راغب في التأجيل هذه المرة.
كل هذه التحديات—إضافة إلى غياب التمويل الكافي لمؤسسات الانتخابات—تشير إلى أن الانتخابات في 2026 تبدو غير مرجحة. لكن أي تأجيل جديد سيُقابَل برفض شعبي ودولي وقد يفاقم الغضب العام ويقوّض الثقة في الحكومة.
ورغم حالة الشك الحاصلة، فإن مصلحة الأطراف تتطلب حواراً جاداً للتوافق على أجندة وطنية تضمن انتخابات ذات مصداقية. وفي هذا السياق، تُعد مبادرة وسيطات جنوب السودان خطوة مهمة لتوفير منصة للحوار الشامل.
خيارات ممكنة أمام الأطراف لإجراء الانتخابات:
1. إجراء الانتخابات في الدوائر الـ102 القديمة فقط
وتأجيل 56 دائرة جديدة لانتخابات لاحقة—بعد تعديل القانون والاتفاقية.
2. إجراء انتخابات جزئية للسلطة التنفيذية فقط
أي انتخاب الرئيس والحكام والمحافظين ، وتأجيل الانتخابات التشريعية لحين اكتمال التعداد والدستور.
3. إنشاء بنية سياسية هجينة لإدارة المرحلة
تتضمن تعيين حكومة تكنوقراط لفترة محددة، مهمتها الأساسية تهيئة الظروف للانتخابات.
4. دعم مبادرة « تومايني » للسلام عبر كينيا
وإشراك الجماعات المسلحة غير الموقعة، مما يمنح تأجيل الانتخابات مبرراً سياسياً مقبولاً داخلياً وخارجياً.
هذه الخيارات ليست متعارضة، بل يمكن دمج بعضها. والقرار النهائي يجب أن يصدر عبر حوار شامل وجاد، كما أكد د. فرانسيس دينق بأن الأزمات كثيراً ما تحمل داخلها فرصاً.
وختم النص بالإشارة إلى أن أي تعديل جوهري لاتفاقية السلام المنشطة أو قانون الانتخابات يتطلب توافقاً واسعاً، وأن مبادرة وسيطات جنوب السودان هي المنصة المناسبة لبناء هذا التوافق.




