
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
لنكن واضحين منذ البداية:
تحالف السودان مع إيران لم يكن خيار شعب، بل قرار نظام.
أما الانفتاح على الإمارات، فهو مصلحة مباشرة تمس حياة الناس.
الدول تُقيَّم بنتائج أفعالها، لا بما يدور في غرفها المغلقة،
والشراكات لا تُقاس بحجم الخطاب السياسي، بل بما تتركه من أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
لكن لفهم هذا التناقض، لا بد من العودة إلى نقطة أبعد…
إلى لحظة تأسيس العقل السياسي الذي حكم السودان لعقود.
من حرب الخليج إلى طهران: كيف بدأ الانحياز الأيديولوجي؟
في أعقاب حرب الخليج مطلع التسعينيات، لم يتعامل السودان كدولة تبحث عن توازن مصالح،
بل كنظام يسعى لإثبات انتمائه لمشروع أيديولوجي عابر للحدود.
اختارت السلطة آنذاك الاصطفاف خارج محيطها العربي التقليدي،
في وقت كانت فيه دول الخليج تمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً للسودانيين—من حيث فرص العمل والتحويلات.
هذا القرار ترتب عليه طرد آلاف السودانيين من دول الخليج، وتراجع تحويلاتهم التي كانت تشكّل دعماً أساسياً للأسر في الداخل.
وفي المقابل، لم يُقدَّم بديل اقتصادي حقيقي يعوّض تلك الخسارة، في نموذج اعتاد أن يجعل أي مكسب للنظام يقابله بالضرورة عبء إضافي على الشعب والسودان.
في هذا السياق، لم تكن إيران مجرد دولة حليفة،
بل نموذجاً أيديولوجياً يتقاطع مع خطاب النظام، حتى وإن اختلفت المرجعيات المذهبية.
كما لم تصاحب هذه العلاقة برامج اقتصادية أو فرص عمل تعود بالنفع المباشر على المواطنين،
بل ظل نطاقها محصوراً داخل اعتبارات سياسية وأمنية تخدم النظام، دون أثر اجتماعي ملموس.
وهنا حدث التحول الأخطر:
تم استبدال منطق الدولة بمنطق الجماعة.
إيران: تحالف أيديولوجي… بلا عائد للدولة
طوال سنوات العلاقة مع إيران، تركز التعاون في الجوانب العسكرية والأمنية: تدريب، تنسيق، ودعم سياسي في ظل عزلة دولية متزايدة.
لكن على المستوى الاقتصادي، لم تظهر مشاريع إنتاجية كبرى مرتبطة بهذه العلاقة، ولا استثمارات مستدامة انعكست على حياة المواطنين.
في المقابل، كان السودان:
تحت وطأة عقوبات أمريكية طويلة
معزولاً عن النظام المالي العالمي
يعاني من تضخم مستمر وضعف في العملة وتراجع فرص الاستثمار
وبينما كانت السلطة تعزز تحالفاتها الأيديولوجية، كان المواطن يواجه اقتصاداً يزداد هشاشة.
ومع تغيّر المشهد السياسي، تراجعت العلاقة مع إيران بسرعة،
في مؤشر واضح على أنها لم تكن علاقة دولة بدولة، بل علاقة نظام بمحور.
لغة الحرب: متى أصبح العالم “دويلات شر”؟
لم يتوقف أثر هذا التحالف عند حدود السياسة الخارجية، بل امتد إلى اللغة نفسها.
منذ منتصف التسعينيات، ومع تصاعد الخطاب التعبوي، دخلت إلى القاموس السياسي والإعلامي السوداني مفردات تقوم على التصنيف الأخلاقي للدول، والتخوين، واستدعاء دائم لفكرة “المعركة”.
مصطلحات مثل “دويلة الشر” تعكس رؤية تقوم على ثنائية حادة: “نحن” مقابل “هم”.
هذه اللغة تبرر القطيعة، وتُسهل اتخاذ قرارات حادة دون نقاش مجتمعي، وتحوّل العلاقات الدولية من مساحة تفاوض إلى ساحة صراع.
والأثر الأخطر أن البوصلة تصبح غير مستقرة:
فالدولة التي تُصنّف اليوم كخصم مطلق، قد تُصبح غداً شريكاً دون مراجعة أو مساءلة.
الإمارات: المصالح التي لا تحتاج شعارات
في المقابل، تطورت علاقة السودان بالإمارات في مسار مختلف، قائم على الاقتصاد وحركة الأفراد.
آلاف السودانيين عملوا في الإمارات على مدى عقود، وأسهمت تحويلاتهم—بمئات الملايين من الدولارات سنوياً—في دعم أسرهم، وتحريك قطاعات مثل التعليم والصحة والاستهلاك المحلي.
كما شهدت العلاقة استثمارات في مجالات مثل:
الزراعة
الموانئ
التعدين، خصوصاً الذهب
ورغم أن بعض هذه الاستثمارات أُثيرت حولها تساؤلات تتعلق بالشفافية وتوزيع العائد، فإن أثرها الاقتصادي المباشر ظل أكثر وضوحاً من أي علاقة أيديولوجية سابقة.
بمعنى آخر:
حتى مع وجود اختلالات، كانت هناك منفعة قابلة للقياس.
السؤال الصعب: هل ندفع ثمن خيارات لم نخترها؟
ما الذي جناه المواطن السوداني من تحالفات أيديولوجية أدخلت البلاد في عزلة؟
وما الذي خسره حين تم استبدال منطق المصلحة بمنطق الانتماء الفكري؟
هل كان ضرورياً أن يتحمل الشعب:
فقدان فرص العمل في الخارج
تراجع قيمة العملة
سنوات من العقوبات والعزلة
فقط لأن النظام اختار الانتماء إلى محور لا يقدّم بديلاً اقتصادياً حقيقياً؟
وهل يُدار بلد بحجم السودان بعقلية تبحث عن “من يشبهنا”، لا “من ينفعنا”؟
غياب الثوابت: أزمة دولة أم أزمة نُخب؟
الأزمة الأعمق لا تكمن فقط في تلك الاختيارات، بل في غياب معيار ثابت يُحتكم إليه.
مرة تُبنى التحالفات على أساس أيديولوجي، ومرة تُغيّر المواقع بالكامل دون مراجعة أو محاسبة.
لا توجد مرجعية واضحة تُحدد: هذه مصلحة السودان، وهذه حدود لا تُتجاوز.
والنتيجة:
دولة تتحرك بردود الأفعال، وشعب يدفع الثمن في كل مرة.
إلى متى؟
السؤال لم يعد عن إيران أو الإمارات، بل عن السودان نفسه:
إلى متى ستظل خياراته مرهونة برؤى أيديولوجية ضيقة؟
وإلى متى يستمر المواطن في دفع ثمن تحالفات لم يكن طرفاً في اختيارها؟
المشكلة لم تكن يوماً في الدول الأخرى،
بل في الطريقة التي نُقرر بها نحن.
نحتاج إلى نظام حكم يعبره الحكام كموظفين مؤتمنين على إدارة الدولة، لا ككهنة يمتلكون حق إعادة تشكيلها أو هدمها كلما اتجهت بوصلتهم نحو فكرة أو “هاتف” أيديولوجي.
فالدولة لا تُدار بالولاء العقائدي، بل بالمؤسسية، ولا تُبنى بالاصطفاف، بل بالتوازن، ولا تستعيد عافيتها إلا حين تُدار بعقل الدولة… لا بعقل الجماعة.




