رأي

السودان ينتظر السلام… رسالة السلطان أحمد دينار

سعيد النور بريمة

 

سعيد النور بريمة

في حلقة جديدة من سلسلة حديثه حول السلام، قدّم السلطان أحمد دينار، حفيد السلطان علي دينار صاحب المحمل ووريث الحكمة الدارفورية العريقة، رؤية عميقة تتجاوز حدود التنظير السياسي لتلامس جذور الأزمة السودانية. حديثه لم يكن مجرد كلمات، بل كان نافذة تُطل مباشرة على أشواق السودانيين الذين أثقلتهم الحروب والنزاعات لأكثر من سبعين عاماً، وأضحت أحلامهم البسيطة في الأمن والاستقرار رفاهية نادرة.

توقف السلطان دينار عند جوهر ما يفتقده السودان اليوم: بناء جسور الثقة بين الفرقاء. وهي نقطة تبدو في ظاهرها بديهية، لكنها في حقيقة الأمر أساس كل عملية سلام. فالسلام لا يولد في غرف التفاوض، ولا في الاتفاقيات المكتوبة، بل يولد أولاً في القلوب. يولد عندما يشعر كل طرف بأن الآخر ينظر إليه كندّ، لا كعدو؛ كشريك في الوطن، لا كخصم يجب استبعاده.

 

وأشار السلطان إلى أن السلام ليس مجرد وقف للحرب. فكم من اتفاقيات أوقفت إطلاق النار ثم انهارت لأنها لم تُعالَج جذور المشكلة. السلام الحقيقي – كما يؤكد – هو عملية طويلة ممتدة، تبدأ بتفكيك الغبن التاريخي، وتمر عبر إعادة بناء العلاقات الاجتماعية التي انهارت بفعل العنف، وتنتهي بإرساء أسس التعايش السلمي بين المجتمعات. إن ما يجعل رؤية السلطان دينار ذات قيمة هو أنها تتناول السلام باعتباره مشروعاً لبناء الإنسان قبل إعادة إعمار الحجر.

 

فالسلام، بحسب سلطانه، هو عملية تعيد الاعتبار للضحايا، وتمنحهم العدالة التي حُرموا منها، وتفتح أمامهم أبواب المصالحة دون أن تُرغمهم على النسيان. وهو مشروع يعيد الثقة للمجتمعات التي تمزقت، ويمنحها الإحساس بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن لا مواطن أعلى قيمة من آخر.

ولم يفت السلطان أن يشير إلى أن السودان بلد يتميز بتعدد مدهش في ثقافاته وثرواته الإثنية، وهذا التنوع يمكن أن يكون نعمة إذا وُظّف بشكل صحيح، أو يتحول إلى لعنة إذا استُخدم وقوداً للصراعات. وهنا تأتي أهمية رسالته: السلام ليس بنداً سياسياً بل قيمة اجتماعية كبرى، تُبنى من الداخل، من داخل المجتمعات نفسها، قبل أن تُبنى في المؤسسات.

ما قاله السلطان دينار يكتسب وزناً إضافياً لأنه يصدر من زعيم عرف قدرة التاريخ على خلق الأزمات وعلى حلّها في الوقت نفسه. فهو حفيد السلطان علي دينار، الرجل الذي ظلّ رمزاً للسيادة والشجاعة والوفاء للمقدسات. ولذلك فإن كلماته تأتي محمّلة بإرث طويل من الحكمة التي تتجاوز اللحظة الراهنة.

حديث السلطان جاء ليذكّر السودانيين بأن السلام ليس رفاهية ولا خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية تفرضها ظروف بلد يعيش أكبر كارثة إنسانية في تاريخه الحديث. فالحرب الحالية لم تترك بيتاً إلا وأصابته بالفقد، ولم تترك مدينة إلا ومزّقتها، ولم تترك مجتمعاً إلا وأدخلت فيه الشك والارتباك. ومن دون عملية مصالحة واسعة تُعيد الثقة بين الناس، سيظل السودان مهدداً بالانزلاق مجدداً إلى دائرة العنف.

ويضع السلطان أحمد دينار في حديثه لبنة أولى في مشروع يمكن أن يصبح إطاراً وطنياً إذا تبنته القوى السياسية والاجتماعية بإخلاص:

سلام يقوم على الحقيقة، والعدالة، ورد المظالم، واحترام التنوع، وإعادة بناء الإنسان قبل الدولة.

وفي نهاية حديثه، بدا السلطان وكأنه يخاطب وجدان أمة بأكملها: السودان لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة بقدر ما يحتاج إلى نوايا جديدة. يحتاج إلى قادة يمتلكون شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة فتح أبواب الحوار، وشجاعة مصافحة من اختلفوا معه بالأمس. فبهذه الروح وحدها يمكن أن يولد السودان الجديد الذي يحلم به الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!