تصريحات كيكل بمنع مواطني الأبيض من مغادرة المدينة من المنظور العسكري والاستخباراتي والأمني
الخبير الامني والعسكري د.مجدي شريف

الخبير الامني والعسكري د. مجدي شريف
أثارت التصريحات التي أطلقها أبو عاقلة كيكل، قائد مليشيا درع السودان، موجة واسعة من القلق والاستنكار، ليس فقط لما تنطوي عليه من انتهاك صارخ لحقوق المدنيين وقواعد القانون الدولي الإنساني، بل أيضًا لما تكشفه من خلل عميق في التفكير العسكري والأمني والاستخباراتي لدى الجهات التي تتبنى هذا النهج. فحين يهدد قائد عسكري مواطني مدينة محاصرة بإطلاق النار عليهم إن حاولوا مغادرتها، ويقرن ذلك بعبارة فجة مفادها “نموت كلنا—جيشًا ومواطنين—في مواجهة القوات المهاجمة”، فإننا لا نكون أمام خطاب تعبوي تقليدي، بل أمام إعلان غير مباشر عن فشل في تقدير الموقف، وسوء إدارة لمسرح العمليات، وانزلاق خطير نحو خيارات تزيد الكلفة البشرية والعسكرية في آن واحد.
من الناحية العسكرية البحتة، يشكل تهديد المدنيين ومنعهم من مغادرة مدينة محاصرة خطأً عملياتيًا جسيمًا. فالقواعد المستقرة في فنون الحرب تؤكد أن إخلاء المدنيين من مناطق القتال يسهّل السيطرة على الأرض، ويمنح القوات المدافعة قدرة أكبر على المناورة، واستخدام النيران بمرونة، وإعادة الانتشار وفق متطلبات المعركة. أما إبقاء عشرات الآلاف بل ملايين من المدنيين داخل مسرح العمليات بالقوة، فإنه يحوّل كل تحرك عسكري إلى عبء مضاعف، ويقيد القرار الميداني، ويجعل أي استخدام للقوة النارية محفوفًا بمخاطر جسيمة، سواء على مستوى الخسائر غير المقصودة أو على مستوى التأثير النفسي والسياسي المصاحب لها.
عملياتيًا، يمثل هذا التهديد إقرارًا ضمنيًا بضعف القدرة على الصمود طويل الأمد، ومحاولة لتعويض العجز العسكري بأدوات غير مشروعة، عبر تحويل المدنيين إلى عنصر ردع قسري، أو ما يشبه “الحاجز البشري”. غير أن هذا الأسلوب، تاريخيًا، لم يحقق سوى نتائج عكسية، إذ يمنح القوات المهاجمة أفضلية استخباراتية وأخلاقية، ويزيد من حدة الضغط الدولي، ويُفقد الطرف المدافع أي هامش للمناورة السياسية أو العسكرية. كما أن وجود المدنيين بكثافة في خطوط التماس يعقّد منظومة القيادة والسيطرة، ويجعل من الصعب فرض الانضباط أو تنفيذ أوامر الانسحاب التكتيكي أو إعادة التموضع في الوقت المناسب.
أما من زاوية التأثير على الفعالية القتالية للجيش والقوات المتحالفة معه، فإن مثل هذه التصريحات تترك أثرًا سلبيًا عميقًا على الروح المعنوية والانضباط العسكري. فالجندي الذي يُطلب منه القتال وسط مدنيين مكرهين، أو يُفهم ضمنًا أن مصيرهم مرتبط بمصيره، يجد نفسه أمام معضلة أخلاقية ونفسية تُضعف قدرته على التركيز والأداء. كما أن تحميل القوات عبء حماية المدنيين قسرًا، بدل إبعادهم عن ساحة المعركة، يؤدي إلى إنهاك القدرات الدفاعية، واستنزاف الموارد، وتوزيع الجهد على مهام غير قتالية في ظرف يتطلب أعلى درجات الجاهزية.
ومن منظور أمني واستخباراتي، فإن إبقاء المدنيين داخل مدينة محاصرة يمثل مخاطرة بالغة الخطورة. فاختلاط السكان بالقوات المسلحة يفتح الباب واسعًا أمام التسلل، وجمع المعلومات، ونقل الإحداثيات، سواء عن قصد أو عن غير قصد. وفي بيئة حرب معقدة، حيث تتشابك الولاءات وتتنوع مصادر المعلومات، يصبح المدنيون—رغمًا عنهم—قنوات محتملة للاختراق الاستخباراتي، ما يسهّل على القوات المهاجمة رصد التحركات، وتحديد نقاط الضعف، واستغلال الثغرات الأمنية. كما أن الكثافة السكانية تعيق الحركة العسكرية، وتحدّ من القدرة على تأمين المحاور، وتزيد من احتمالات الفوضى في حالات الهجوم المفاجئ أو الانهيار السريع للدفاعات.
إن التاريخ العسكري زاخر بالأمثلة التي تؤكد خطورة إبقاء المدنيين في قلب المعركة. ففي معارك المدن خلال الحرب العالمية الثانية، أدركت الجيوش سريعًا أن إخلاء السكان كان شرطًا أساسيًا لتحسين الأداء العملياتي وتقليل الخسائر. وفي تجارب أحدث، من سراييفو إلى الفلوجة، تبيّن أن وجود المدنيين في مسرح العمليات إما قيّد القوات المدافعة وأفقدها زمام المبادرة، أو وفّر بيئة مثالية للاختراق والفوضى والانهيار. وفي حالات كثيرة، انتهى الأمر بانسحابات غير منظمة، تركت المدنيين عرضة للجوع والمرض والانتقام، بعد أن كانت القيادات قد استخدمتهم، عمليًا، كوسيلة لكسب الوقت لا أكثر.
إن ما تحمله تصريحات كيكل من دلالات يتجاوز بعدها الأخلاقي والقانوني إلى مستوى الخطر الاستراتيجي. فهي تعكس عقلية قصيرة النظر، ترى في المدنيين عبئًا يمكن توظيفه قسرًا، لا مسؤولية يجب حمايتها. كما تكشف عن خلل في فهم أبسط مبادئ الأمن القومي، التي تعتبر حماية السكان جزءًا لا يتجزأ من حماية الأرض والدولة. فالدفاع الحقيقي لا يقوم على ربط مصير الجيش بمصير المدنيين في مواجهة عبثية، بل على تمكين المدنيين من النجاة، ومنح القوات حرية الحركة، والحفاظ على ما تبقى من تماسك وقدرة قتالية.
في المحصلة، فإن هذه التصريحات لا تخدم أي هدف عسكري مشروع، بل تضعف الموقف الدفاعي، وتُرهق القدرات، وتفتح ثغرات أمنية واستخباراتية خطيرة، وتسرّع من احتمالات الانهيار بدل الصمود. وهي، قبل ذلك وبعده، شهادة دامغة على أن من يلوّح بالموت الجماعي بوصفه خيارًا استراتيجيًا، إنما يعلن إفلاسه العسكري، ويقدّم خصومه خدمة مجانية، على حساب أرواح المدنيين ومستقبل البلاد.




