
عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
في الحروب الطويلة، لا يكون السؤال عن الانتصار العسكري هو الأهم، بل عن حماية الإنسان حين تنهار كل القيم. في مدينة الأبيض، تتكشف هذه الحقيقة بقسوة بعد تصريحات أبو عاقلة كيكل من مليشيا «درع السودان»، الذي أعلن أن المدنيين الذين يحاولون مغادرة المدينة المحاصرة قد يتعرضون لإطلاق النار. هذه التصريحات لا تُعد تهديدًا عابرًا، بل كشف صريح عن تصور يرى المدنيين كأدوات في الصراع، لا كبشر لهم الحق في النجاة والحياة.
المدني ليس طرفًا في الحرب بل ضحيتها الدائمة
أثناء حصار الأبيض، يواجه السكان—نساء وأطفالًا وشيوخًا—مخاطر تتجاوز الصراع المباشر. تهديد كيكل بأن أي محاولة للنزوح ستقابل بالقوة يعطل حقهم الطبيعي في النجاة. القانون الدولي الإنساني، كما نصت عليه اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، يحمي المدنيين ويُلزم الأطراف المتحاربة بالتمييز بينهم وبين المقاتلين، وتمكينهم من مغادرة مناطق الخطر، وفتح ممرات آمنة، ومنع أي ممارسة ترهب السكان أو تُقيد حريتهم في النجاة.
يصبح ما يجري في الأبيض اليوم مؤشرًا واضحًا على الانتهاك المتعمد لهذه القواعد. تهديد المدنيين وتحويلهم إلى رهائن داخل مواقع القتال ليس مجرد خرق قانوني، بل جريمة أخلاقية ترتقي إلى مستوى استخدام المدنيين كدروع بشرية.
حين يُختزل الوطن في البندقية تضيع الدولة
التأكيد الصريح من كيكل بأن «نموت جميعًا—مدنيين وجيشًا—في مواجهة القوات المهاجمة» يكشف عن اختلال عميق في فهم المسؤولية الوطنية. مساواة المدني بالمقاتل في المصير تسقط مبدأ التمييز، حجر الأساس في حماية الإنسان أثناء النزاعات. المدن المحاصرة تتحول إلى مصائد على البشر، والمدنيون يُجبرون على الوقوف بين نار المعركة وفوهة البندقية، بلا أي حماية.
هذه الواقعة تذكّرنا بما حدث في مدن سودانية أخرى، حيث أُجبر السكان على البقاء في مناطق القتال، ثم تُركوا للجوع والمرض والقصف. تكرار السيناريو ذاته في الأبيض يعني أن الدروس لم تُستوعب، أو أن حسابات القوة تُقدَّم فوق حياة البشر، لتتحول المعاناة الإنسانية إلى أداة للتأثير العسكري.
الصمت الدولي لا يحمي الأبرياء بل يشجّع الجناة
خطورة تصريحات كيكل لا تتوقف عند حدود المدينة؛ فكل تجاهل أو تأخير في الرد الدولي يمنح الانتهاك مساحة ليصبح واقعًا. حماية المدنيين ليست مسألة سيادة داخلية، بل التزام قانوني وأخلاقي، وأي تجاوز له يضع مرتكبيه في مواجهة العدالة الدولية.
المجتمع الدولي، وخصوصًا اللجنة الرباعية المعنية بالسودان، ومبعوث الولايات المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مدعوون للتحرك الفوري لضمان فتح ممرات آمنة للمدنيين في الأبيض وكادوقلي والدلنج، وإلزام المليشيات بما يفرضه القانون الدولي الإنساني. السماح ببقاء المدنيين رهائن في مناطق القتال يعرضهم لمخاطر غير مقبولة، ويحوّل حياتهم إلى ورقة ابتزاز، لا أقل ولا أكثر.
تصريحات كيكل، بهذا الشكل العلني والصريح، تعكس نمطًا مستمرًا من الانتهاك الذي تغذى على الإفلات من العقاب. إنها لحظة تحذير مبكرة، والتأخر في مواجهتها يضاعف الكارثة. المدنيون، بحياتهم وبحقهم في النجاة، هم المعيار الذي يُقاس به الالتزام بالقانون الدولي والأخلاق، وأي تجاهل لذلك يعمّق المعاناة ويحوّل الصراع إلى مأساة مكتملة الأركان.
في لحظة كهذه، يصبح الدفاع عن المدني حقًا أخلاقيًا وقانونيًا قبل أن يكون سياسيًا. إن حماية الناس، وتمكينهم من الاختيار بين البقاء أو النزوح، هو اختبار عالمي للقيم الإنسانية. في مواجهة خطاب القوة، يجب أن ينتصر صوت القانون والعدالة، وأن تبقى حياة الإنسان فوق كل حسابات النفوذ والسيطرة.




