رأي

قائد مليشيا درع السودان أبو عاقلة كيكل يهدد مواطني الأبيض بإطلاق النار عليهم في حال محاولتهم النزوح من المدينة المحاصرة

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

في أزمنة الحروب تتعرّى القيم، ويُختبر معنى الدولة ومعنى الإنسان معًا. وحين تتكاثف أصوات السلاح، يصبح المدني—الأعزل بطبيعته—هو المعيار الأخلاقي والقانوني الذي تُقاس به شرعية الأفعال وسقوطها. من هذا المنظور، لا تُقرأ التصريحات التي أطلقها قائد مليشيا ما يُعرف بـ«درع السودان» أبو عاقلة كيكل بوصفها انفعالًا عابرًا أو لغة تعبئة، بل باعتبارها تهديدًا صريحًا لجوهر الحماية الواجبة للمدنيين، وإعلانًا فاضحًا لانتهاك قواعد راسخة في القانون الدولي الإنساني، وقيمٍ إنسانية استقر عليها الضمير العالمي بعد كوارث وحروب دفعت البشرية أثمانها دمًا وخرابًا.

لقد رسّخت اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية مبدأً لا لبس فيه: حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة واجب مطلق، لا يخضع للمساومة ولا للتأويل السياسي أو العسكري. ويترتب على أطراف النزاع كافة—دولًا كانت أم جماعات مسلحة—واجب التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، واتخاذ كل التدابير الممكنة لإبعاد المدنيين عن مناطق القتال، وتأمين سلامتهم، وضمان حقهم في النزوح الآمن متى ما تهددت حياتهم. ولا يقف هذا الواجب عند حدود الامتناع عن استهدافهم فحسب، بل يمتد ليشمل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفتح ممرات آمنة، والامتناع عن أي خطاب أو ممارسة تُرهب السكان أو تحرمهم من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم وأسرهم.

من هنا تتبدّى خطورة ما صدر عن المدعو أبو عاقلة كيكل، حين لوّح بإطلاق النار على المواطنين في حال محاولتهم مغادرة مدينة الأبيض المحاصرة. فهذا التهديد لا يُرهب المدنيين فحسب، بل يصادر حقهم الطبيعي في النجاة، ويحوّلهم قسرًا إلى رهائن للمواجهة العسكرية، ويضعهم بين فكي كماشة: خطر القتال من جهة، وخطر القتل إن هم سعوا إلى السلامة من جهة أخرى. إن مثل هذا الخطاب يُسقط أي ادعاء بالحماية، ويكشف عن ذهنية ترى في المدنيين أدوات ضغط ووقودًا للصراع، لا بشرًا لهم حقوق غير قابلة للتصرف.

ويزداد الأمر فداحة حين يقرن قائد المليشيا تهديده بتصريح بالغ الوضوح والدلالة، مفاده «نموت كلنا—المدنيين والجيش—في مواجهة القوات المهاجمة». فالقانون الدولي الإنساني ينظر إلى هذه العبارات بوصفها إقرارًا بنيّة استخدام المدنيين دروعًا بشرية، وهو سلوك مُجرَّم صراحة، يُحمّل مرتكبيه مسؤولية جنائية فردية، ولا يُعفيهم منها ادعاء الضرورة العسكرية أو ضيق الخيارات. إن إدماج المدنيين قسرًا في معادلة الموت، وتسوية مصيرهم بمصير المقاتلين، يمثل انحرافًا خطيرًا عن أبسط قواعد الإنسانية، ويُعدّ جريمة حرب حين يُترجم إلى سياسات أو أوامر أو ممارسات على الأرض.

وليس هذا النهج جديدًا على مسرح الحرب السودانية؛ إذ تُعيد الذاكرة القريبة إلى ما جرى في الفاشر، حين أقدمت قيادات الفرقة السادسة مشاة، ومعها مليشيات متحالفة، على اتخاذ المواطنين دروعًا بشرية، ففاقم ذلك الأوضاع الإنسانية إلى حد الكارثة. هناك، تُرك المدنيون محاصرين بالجوع والمرض والخوف، بينما انسحبت القيادات في نهاية المطاف، تاركة خلفها نساءً وأطفالًا وشيوخًا في مواجهة المجهول. لقد كان الدرس قاسيًا: حين تُقدَّم الحسابات العسكرية الضيقة على حياة الناس، تكون النتيجة مضاعفة المأساة، وسقوطًا أخلاقيًا لا تمحوه تبريرات ما بعد الهزيمة.

إن تكرار هذا السيناريو في الأبيض—ومدن أخرى مهددة—لا يعني سوى الإصرار على إنتاج المأساة ذاتها، وإعادة تدوير الانتهاكات ذاتها، مع ما يرافق ذلك من تآكل الثقة، وتوسّع دائرة الضحايا، وتعميق جراح المجتمع. فالمدني الذي يُمنع من النزوح يُحرم من حقه في الحياة الآمنة، ويُجبر على البقاء قرب مواقع المواجهات، بما يزيد احتمالات إصابته أو قتله، ويُعقّد عمليات الإغاثة، ويحوّل المدن إلى مساحات مغلقة على الألم.

وأمام هذا الواقع، يصبح النداء واجبًا لا يحتمل التأجيل. نداءٌ إلى منظمات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وإلى الآليات الدولية المختصة، وإلى المنظمات الإقليمية ذات الصلة، للتحرك العاجل والفاعل من أجل إرغام الجيش والمليشيات المتحالفة معه في مدن الأبيض وكادوقلي والدلنج على الالتزام الفوري بالقانون الدولي الإنساني، وتوفير ممرات آمنة للمدنيين الراغبين في مغادرة مناطق النزاع، وضمان عدم التعرض لهم بأي شكل من أشكال التهديد أو الانتقام. إن الصمت على مثل هذه التصريحات والممارسات يُشجّع الإفلات من العقاب، ويمنح الانتهاك شرعية زائفة، ويدفع ثمنه الأبرياء وحدهم.

ليست حماية المدنيين ترفًا أخلاقيًا ولا شعارًا للاستهلاك الإعلامي؛ إنها التزام قانوني وأخلاقي لا يسقط بالتقادم ولا بحدة الصراع. وكل من يهدد هذا الالتزام، قولًا أو فعلًا، يضع نفسه في مواجهة العدالة، ويضيف صفحة سوداء إلى سجلٍ مثقل أصلًا بالانتهاكات. وفي لحظة يضيق فيها الأفق، يبقى إنقاذ الإنسان هو المعنى الأخير للحرب حين تفقد كل معانيها، وهو الامتحان الذي لا يجوز السقوط فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!