
نجم الدين دريسة
ليس في السودان اليوم ما يمكن وصفه بجيش وطني بالمعنى الحديث للكلمة. ما يوجد فعليًا هو بقايا مؤسسة عسكرية تشكّلت تاريخيًا خارج منطق الدولة، وتغذّت على الانقلابات، وتحوّلت مع الزمن إلى أداة حكم وقمع، لا إلى جهاز لحماية الوطن والمواطن. وهذه ليست خلاصة عاطفية أو موقفًا سياسيًا معارضًا، بل نتيجة تراكم طويل من الوقائع، والجرائم، والفشل البنيوي الذي وثّقته الحروب والتقارير والشهادات، وكرّسته الممارسة اليومية للمؤسسة العسكرية نفسها.
الجيش يُقاس بوظيفته لا باسمه. ووظيفة أي جيش وطني هي حماية الحدود، وصون السيادة، والدفاع عن الشعب. فإذا كان السلاح موجّهًا للداخل، وإذا كان المدني هو العدو الدائم، وإذا كانت المدن تُقصف، والقرى تُحرق، والسكان يُهجّرون، فذلك يعني أننا لا نتحدث عن جيش، بل عن قوة مسلّحة منفلتة من فكرة الدولة
منذ الاستقلال، لم يخض الجيش السوداني حربًا واحدة دفاعًا عن الوطن ضد عدو خارجي. كل حروبه كانت داخلية، وكل انتصاراته – إن وُجدت – كانت على القرى العزلاء، وعلى الأقاليم المهمشة، وعلى المدنيين الذين طالبوا بالحقوق. الجنوب، دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، وأخيرًا الخرطوم نفسها، كلها مسارح لجرائم ارتكبتها مؤسسة يفترض أنها “جيش قومي”.
الخطأ الفادح الذي وقع فيه السودانيون، مرارًا، هو قبول الرواية الرسمية التي تُحمّل الجرائم لـ”عناصر منفلتة” أو “أخطاء فردية”. لكن التاريخ، حين يُقرأ بتجرد، يكشف نمطًا ثابتًا: نفس الأساليب، نفس العقيدة، نفس الاحتقار لحياة المدنيين. من القصف الجوي العشوائي إلى الحصار والتجويع، ومن التطهير العرقي إلى استخدام المليشيات بالوكالة، لا يمكن تفسير هذا السلوك إلا بغياب كامل للعقيدة العسكرية الوطنية.
الجيش السوداني لم يُبنَ أصلًا على أساس وطني. لقد تشكّل في ظل الإدارة الاستعمارية، ثم ورثته النخب المركزية واستخدمته أداة للسيطرة على الأطراف. ومع كل انقلاب، تآكل ما تبقى من مهنيته، وتحوّل إلى كيان سياسي–أيديولوجي، تخترقه الولاءات الدينية، والصفقات الخارجية، والتحالفات الإقليمية. لم يعد جيش دولة، بل ذراع سلطة.
التقارير الدولية الأخيرة التي تتحدث عن استخدام أسلحة محرّمة، بما فيها أسلحة كيميائية، ليست صادمة لمن يعرف تاريخ هذه المؤسسة. الصادم فقط هو أن بعض السودانيين ما زالوا يتفاجأون. فالمؤسسة التي استخدمت البراميل المتفجرة، وقصفت الأسواق، واستهدفت النازحين، لا تحتاج إلى قفزة أخلاقية كبيرة كي تستخدم ما هو أخطر، إذا شعرت أن بقاءها مهدد.
الأخطر من الجرائم نفسها هو الإصرار على إنكارها، وعلى حماية الجناة باسم “هيبة الجيش”. أي هيبة تُبنى على جثث المدنيين؟ وأي وطنية تلك التي ترى في المحاسبة مؤامرة، وفي العدالة استهدافًا؟ إن المؤسسة التي تخشى الحقيقة، وتفرّ من التحقيق، وتستقوي بالحصانات، هي مؤسسة تعرف في قرارة نفسها أنها فقدت شرعيتها.
لقد أثبتت التجربة أن إصلاح هذا الجيش من الداخل وهم. كل محاولات “إعادة الهيكلة” و”الإصلاح التدريجي” فشلت، لأن الخلل ليس إداريًا بل وجودي. نحن لا نملك جيشًا منحرفًا يحتاج إلى تقويم، بل نملك بنية عسكرية صُممت أصلًا ضد المجتمع. ولهذا، فإن الحديث عن “العودة إلى الثكنات” يبدو ساخرًا، لأن هذه المؤسسة لم تكن يومًا في خدمة الثكنة بل في خدمة السلطة.
ما يحتاجه السودان ليس دمجًا جديدًا، ولا ترقيعًا قديمًا، بل قطيعة كاملة مع هذا الإرث. نحتاج إلى تأسيس جيش جديد، لا يرث العقيدة، ولا القيادات، ولا الامتيازات، ولا العقلية. جيش يُبنى من الصفر، على أسس مهنية واضحة: عقيدة دفاعية، خضوع تام للسلطة المدنية، شفافية في الميزانية، وحظر مطلق لأي نشاط سياسي أو اقتصادي.
الجيش الجديد يجب أن يكون انعكاسًا لتنوّع السودان، لا أداة لهيمنة مركز على أطراف. يجب أن يُدرَّب على حماية الإنسان لا إخضاعه، وعلى احترام القانون الدولي لا التحايل عليه. جيش بلا مليشيات، بلا شركات، بلا أذرع خفية. جيش يعرف أن السلاح أمانة لا وسيلة حكم.
قد يبدو هذا الطرح راديكاليًا للبعض، لكنه في الحقيقة الحد الأدنى لبناء دولة محترمة. فالدول لا تُبنى بجيوش تخيف شعوبها، ولا تستقر تحت فوهات بنادق موجّهة للداخل. وكل يوم نتأخر فيه عن الاعتراف بأن السودان لا يمتلك جيشًا وطنيًا، هو يوم إضافي في عمر الفوضى.
الوطن لا يحميه من اعتاد قتله. والسيادة لا تصونها مؤسسة مرتهنة، مخترقة، بلا ضمير. إن تأسيس جيش جديد ليس ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء. فإما دولة بجيش وطني حقيقي، أو لا دولة على الإطلاق.




