البرهان بين لعنة المفكر عبدالله علي إبراهيم وسيك الويست.!
هل باتت السيادة ستاراً للعجز وأصبحت الصورة بديلاً عن الدولة.؟

هل باتت السيادة ستاراً للعجز وأصبحت الصورة بديلاً عن الدولة.؟
بقلم: خالد تارس
ان هجوم الأكاديمي والمفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ليس سجال مصالح داخل معسكر الحرب وإنما هو إنكشاف عن تصدّع في الخطاب الذي منح الحكم (العسكري) غطاءً سياسياً ورفع شعارات السيادة والكرامة الوطنية مبرراً لاستمرار الحرب وإقصاء دعاة السلام.؟
وفي مقاله المنشور بموقع «الراكوبة»، اعتبر علي إبراهيم أن استمرار البرهان في السلطة بات تهديداً لبقاء الدولة السودانية، وشكك في جدوى لجنة التحقيق التي أعلنها قائد الجيش بشأن الغارات المنسوبة إلى الطيران المصري على مواقع تعدين الذهب بالسودان. وهو أقسى كلام يلفظه المفكر علي إبراهيم منذ انحيازة الصارخ لمعسكر الحرب بقيادة البرهان وشرزمة التيار الإسلاموي، ولم يتوقف الرجل عند هذا الحد، فقد دفع به الاستياء كي يدعو علناً لطي صفحة الحكم العسكري القائم على شرعية البندقية، وبناء مؤسسة وطنية تخضع لسلطة مدنية كاملة. وهو ترجع مزهل في موقف رجل كان يدعو لسياسة (البل بس) حتى مطلع أكتوبر الجاري، ولم يستطع مواجهة الباطل حتى قضت حرب البرهان الأخضر واليابس.
كان عبدالله علي إبراهيم بلبوسيا من الدرجة الأولى، وكان يرى في شخص البرهان تشرشل الزمان الذي يحمى النخب ويصون امتيازاتها الراسخة. تكمن المفارقة في ان توبيخ قائد الجيش صدر عن رجل ارتبط اسمه بخطاب دعم الحرب حتى قبل الهجوم المصري على المعدّنين بليله واحدة. لذلك فإن مراجعة موقف البرهان بمقال اسفيري لا تكفي؛ فالمطلوب من أمثال علي إبراهيم مراجعة المنطق السياسي الذي منح العسكرة شرعية الوصاية على الدولة، والنخب التي تساند البرهان على التشبس بالسلطة تحت شعار (الكرامة) وغيرها من أساليب الاستبداد وبث الكراهية، سقوط القناع عن المفكر إبراهيم بعد غيبوبة يدرك أن البندقية لا تبني وطناً، وأن القوة لا تعوّض غياب المشروع السياسي. فالمشكلة التي يتطرق إليها هذا (المثقف).. ليست في سقوط دكتاتور من أعين مؤيديه، بل في استمرار الأفكار التي جعلت هذا الدكتاتور مقبولاً ابتداءً، وفي النخبة التي تصنع له تأييداً واعلاماً وتعبئة وهمية!
ان قضية المعدّنين السودانيين الذين قُتلوا في غارات جوية مصرية تضع خطاب السيادة الوطنية أمام امتحان حقيقي. ويصبح اتهام القوات المصرية بشن الغارات وبيان القاهرة المتعلق بعمليات مكافحة التعدين غير القانوني وأسئلة أخرى عن طبيعة العمليات تضع البرهان في وجهة العاصفة. والمخذي في اعلان البرهان انه شكل لجنة للتحقيق، في محاوله جديدة للتسويف والهروب، كي يقضي أطول وقت تحت مظلة حرب الكرامة وحماية النخب، فالاتهامات المتعلقة بالمسؤولية عن القصف وتحديد المواقع والملابسات تظل بحاجة إلى رد قوي وموقف حاسم، لكن الحادثة فضحت عجز قائد الجيش في القيام باي خطوة تدين الحليف المصري والحاضنة التاريخية للجيش. وهنا يتجلى الهوان أكثر: كيف ترفع سلطة بورتسودان السيادة عنواناً لشرعيتها ثم تترك المواطنين أمام جرائم عالقة تمثل أكثر انتهاك لحقوق الشعوب السودانية؟ ان السيادة التي يتبجح بها قائد الجيش أمام (بائع العرديب) ليست شعاراً لتخوين المدنيين، ولا امتيازاً تحتكره المؤسسة العسكرية؛ هي مسؤولية تبدأ بحماية المواطنين وتنتهي بمحاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاك حقوقهم.
الملاحظ ان في عهد البرهان اتسعت رقعة الاطماع المصرية على السودان، وظهرت خيوط العمالة بشكل مقرف، بالتالي لا يكفي إعلان لجنة للتحقيق لتبديد الشكوك عن القصف المصري لمعدّنين سودانيين كان يبحثون رزق اليوم، ولا يجوز اعتبار الإعلان وحده دليلاً على التواطؤ. بل هناك أدلة أخرى تحددها سيطرة القاهرة على المؤسسة العسكرية منذ فجر الاستقلال، لهذا فإن المعيار الأول هو سريان التحقيق وشفافيته ونشر نتائجه، واتخاذ الإجراءات اللازمة على أساس الأدلة. أما الغموض والتسويف واللف والدوران بين حلقات الكتشينة وميادين الدافوري لا يعفي قائد الجيش من تهم الرضوخ للقوى المصرية مقابل تسفية أهل الضحايا من السودانيين.!
وفي موازاة تلك الانتهاكات يهرب البرهان بالجلوس أمام مع بائعات الشاي، وكلها محاولات رخيصة للبحث عن شعبية مفقودة، ومشاهد يُراد لها أن تعكس حضوره بين المواطنين. لكن الصورة المضللة مهما كان تقنية إخراجها لن توقف الدمار ولن تحمي الحدود، ولن تعيد النازحين إلى ديارهم ولن توفر الغذاء والدواء لملايين أنهكتهم الحرب.!
ليست المشكلة في أن يجلس قائد الجيش لتوزيع لعبة (الويست) بين الشٌلة، بل في أن يتحول الظهور الوهمي لهروب عن أسئلة أساسية، ماذا حققت قيادة الجيش من أجل حماية الحدود والتصدي للانتهاكات والاطماع المصرية؟ وما هي رؤيتها لإنهاء الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الإخفاقات التي دفعت الدولة والمجتمع إلى هذا المستوى من الانزلاق والتردي والضياع؟
فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، لا يستطيع البرهان فصل مسؤوليته عن حصيلة المسار الذي يقوده من التسويف والتوهان السياسي. فالقول إن الحرب فُرضت على البلاد لا يعفي قائد الجيش من الإجابة عن قراراتها، كما أن انتهاكات حلفاء الجيش وفي مقدمتهم مصر لا تمنح أي طرف حصانة من المساءلة. ولا يجوز أن تتحول الضرورة العسكرية إلى تفويض مفتوح لتأجيل المعركة السياسة، أو إلى ذريعة لتقييد المجال المدني أو إلى مبرر لاستمرار سلطة بورتسودان بلا أفق واضح.
أما العلاقة مع القاهرة، فلا ينبغي أن تُدار بمنطق الاستكانة والتراخي على حساب حقوق السودانيين. فإذا أثبت التحقيق وقوع هجوم أجنبي على مواطنين داخل الأراضي السودانية فإن المطلوب هو موقف واضح وإجراءات تتناسب مع النتائج. وإذا لم تثبت الاتهامات فعلى سلطات الأمر الواقع إعلان الوقائع التي تبرئ ساحة المتهمين. ففي الحالتين لا مكان لسياسة الصمت أو الاكتفاء ببيانات لا ترد عن أسئلة الرأي العام.
ونعود للموقف النقدي لعبد الله علي إبراهيم وهو نقد في مكانه إلا انه يظل ناقصاً ما لم يتجاوز شخص البرهان إلى مراجعة تجربة الحكم العسكري الذي يناصره دكتور عبدالله طيلة حرب 15 أبريل. فهل يتعلق الأمر برفض قائد أخفق، أم برفض المبدأ الذي يجعل القوة المسلحة مصدراً للشرعية ووصياً على المجتمع؟ وهل يقتصر التراجع على الخلاف مع قائد الجيش، أم يمتد إلى مراجعة الخطاب الذي سوّغ للحرب وقدّم الخصومة السياسية باعتبارها معركة لا مجال فيها للتسوية؟
السودان لا يحتاج إلى إعادة توزيع الولاءات داخل معسكرات الحرب، بل إلى إنهاء المنطق الذي جعل البندقية بديلاً عن السياسة، والولاء بديلاً عن المساءلة والصورة بديلاً عن الإنجاز. كما لا يحتاج إلى استبدال وصاية عسكرية بأخرى وإنما إلى مؤسسة عسكرية مهنية تمثل اهل السودان، وسلطة مدنية ذات شرعية ومسار ينهي الحرب ويحمي المواطنين ويحاسب المسؤولين عن الانتهاكات والفظائع.
إن قائد الجيش اليوم أمام اختبار يتجاوز قدرته على حشد الوهم أو إنتاج مشاهد جماهيرية مزيفة. لعبة كتشينة او عصير عرديب في سوق ٦، على الجنرال التائه أن يقدم إجابات واضحة عن حماية السيادة ونتائج التحقيقات عن التدخلات الأجنبية، ومصير الحرب ومسؤولية القيادة عن حصيلتها.
فالسيادة التي لا تحمي المواطن تظل شعار أجوف، والسلطة التي تتهرب من المساءلة لا تستطيع أن تجعل من البندقية تفويضاً أبدياً. وحين تصبح صورة الجنرال أكثر حضوراً من الدولة نفسها فإن القضية لم تعد حول شعبية الجنرال بل عن مصير المؤسسة التي يقودها.




