رأي

الدولة التي تخاف سؤالها

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

ليست أزمة الدولة نتاج عجز معرفي بسيط، ولا ثمرة أخطاء سياسية عابرة، بل هي تعبير عن فشل بنيوي عميق، تشارك في صناعته النخب التي تدّعي القدرة على إصلاحه. فالمفارقة المركزية تكمن في أن هذه النخب لا تقف خارج الأزمة لتحللها، بل تقيم في قلبها، وتستمد نفوذها من البنية ذاتها التي ترفض مساءلتها.

نشأت النخب داخل نموذج دولة هرمي شديد المركزية، صُمم ليعيد إنتاج الامتياز لا لتوزيع السلطة، وليضمن الاستمرارية لا التحول. وحين انتقلت إدارة الدولة من يدٍ إلى أخرى، لم تتغير العقلية التي تحكمها، بل جرى توريثها بوصفها “الطريق الطبيعي” للحكم. وهكذا، لم تكن الدولة مجالًا للصراع على مشروع جامع، بل إطارًا جاهزًا لإدارة الامتياز، وفضاءً لإعادة إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة.

في هذا السياق، تحوّل الخطاب السياسي إلى شبكة من المفاهيم المطمئنة ظاهريًا، والمضللة جوهريًا. جرى الحديث عن تعثّر التحول، وعن إخفاق التجارب، وعن سوء الإدارة، بينما ظل السؤال الحقيقي غائبًا: لماذا لم تُمسّ الدولة نفسها؟ ولماذا يُعاد إصلاح السقف فيما الأساس مختل؟ إن الاكتفاء بتشخيص الأعراض دون مقاربة البنية ليس عجزًا عن الفهم بقدر ما هو اختيار واعٍ لتجنّب المواجهة.

إن مساءلة الدولة تعني تفكيك العلاقة غير المعلنة بين السلطة والامتياز. ولذلك تفضّل النخب طرح أسئلة جانبية تُبقيها في مأمن من النقد، وتعيد تدوير الأزمة بلغة جديدة. فبدل أن يُسأل عن شكل الدولة ووظيفتها ومن تخدم، يُختزل النقاش في كفاءة الحكم أو آليات التداول، وكأن المشكلة تقنية لا سياسية، إجرائية لا بنيوية.

لقد جرى اختزال الديمقراطية في معناها الأدنى: كإجراء، لا كتحول. كصندوق، لا كبنية. والسبب واضح: لأن أي فهم عميق للديمقراطية بوصفها عملية إعادة توزيع للسلطة والثروة والاعتراف، سيصطدم مباشرة بالبنية الهرمية التي تشكّل منها نفوذ النخب. فالديمقراطية، حين تُؤخذ على محملها الجذري، ليست تسوية بين متنافسين، بل زلزال يعيد ترتيب مواقع الجميع.

ومن هنا، غاب النقد الفلسفي للدولة، وحضر خطاب إصلاحي مفرغ من مضمونه، يَعِد بالتغيير دون أن يحدده، ويتحدث عن العدالة دون أن يقترب من مصادر الظلم. لم تكن المشكلة في غياب الوعي، بل في الخوف من نتائجه. فالنخب تدرك أن أي تفكير جاد في الدولة سيقود حتمًا إلى مساءلة تاريخ الامتياز الذي يمنحها موقعها الحالي.

وهكذا، تتحول الدولة إلى كيان محصّن ضد السؤال، وتتحول السياسة إلى إدارة أزمة دائمة، لا إلى أفق للتغيير. وكل محاولة للإصلاح تُحبس داخل الإطار ذاته الذي أنتج الخلل، فتخرج أكثر هشاشة، وأقل قدرة على إحداث الفرق.

إن الدولة التي تخاف سؤالها محكوم عليها بإعادة إنتاج أزماتها. فبغير تفكيك البنية التي تصنع الامتياز، وبغير الاعتراف بأن النخب ليست خارج المشكلة بل في صلبها، سيظل التغيير مؤجلاً، والديمقراطية معلّقة، والسياسة حبيسة الدوران في حلقة مفرغة.

التأسيس الحقيقي لا يبدأ من تحسين الأداء، بل من مواجهة السؤال الذي طال الهروب منه: لمن تُبنى الدولة، ومن يملك حق تعريفها؟ وما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة، ستظل الدولة قائمة شكليًا، لكنها غائبة جوهريًا، وسيظل الإصلاح وعدًا لا يتحقق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!