
عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
أخطر أنواع التحيّز هو ذاك الذي يتخفّى في ثوب المهنية.
أوردت قناة الجزيرة خبرًا عن انضمام تيار سياسي يقوده الأستاذ محمد حسن عربي، المحامي والقيادي البارز في حزب المؤتمر السوداني، إلى تحالف “تأسيس” والتوقيع على ميثاق تحالف السودان التأسيسي. غير أن ما كان يفترض أن يكون خبرًا سياسيًا عاديًا، تحوّل إلى مادة جدل واسع، بعد أن وضعت القناة شعار دولة إسرائيل بدلًا عن شعار “تأسيس”، وهو شعار معروف، استخدمته القناة نفسها في مناسبات وتقارير سابقة دون لبس أو التباس.
الخطأ، في ظاهره، قد يبدو تقنيًا أو عرضيًا. لكن في سياق التغطية الإعلامية للحرب السودانية، يصبح من الصعب عزله عن نمط أوسع من الانتقائية والانحياز. فحين يتكرر “الخطأ” في اتجاه واحد، ويتقاطع مع خطاب تحريري محدد، يتحول من سهو مهني إلى رسالة سياسية، سواء أُريد له ذلك أم لا.
ما أشعل الجدل ليس فقط وضع شعار خاطئ، بل رمزيته الثقيلة في الوعي الجمعي العربي، وتوقيته، والسياق الذي ورد فيه. فاستبدال شعار تحالف سوداني ناشئ بشعار دولة محتلة، في خبر يتناول فاعلًا سياسيًا مدنيًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن صورة التحالف التي سعت بعض المنصات إلى ترسيخها: كيان ملتبس، مشوّه، أو قابل للتشكيك الأخلاقي والسياسي. وهنا يصبح الرمز أداة إدانة، لا مجرد خطأ بصري.
اللافت أن قناة الجزيرة، منذ اندلاع الحرب، بدت وكأنها تتعامل مع المشهد السوداني بعدسة ضيقة، تركّز بشكل مكثف على سرديات بعينها، وتُقصي أو تُهمّش فاعلين مدنيين آخرين لا ينسجمون مع هذا الإطار. فقد هيمنت روايات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وبالجيش الذي اختُطف سياسيًا لصالحها، على مساحة واسعة من التغطية، بينما جرى التعامل مع التحالفات المدنية الجديدة، وعلى رأسها “تأسيس”، إما بتجاهل، أو بتناول مشوّه، أو بتأطير سلبي غير متوازن.
هذا النمط من التغطية يطرح سؤالًا جوهريًا حول المهنية الإعلامية: هل وظيفة الإعلام نقل الوقائع بإنصاف، أم إعادة إنتاج اصطفافات سياسية تحت غطاء الحياد؟ فالإعلام، حين يختار بعناية ما يسلّط عليه الضوء، وما يتركه في الظل، لا يمارس الحياد، بل يصنع سردية، ويؤثر في وعي المتلقي، ويوجه إدراكه للصراع.
القضية، في جوهرها، ليست شعارًا وُضع بالخطأ، بل أزمة ثقة بين فاعلين مدنيين وإعلام عربي مؤثر. أزمة تتغذى من شعور متزايد بأن بعض المنصات الكبرى لم تعد تكتفي بنقل الخبر، بل تشارك في إعادة تشكيل الصراع وفق أجندات غير معلنة، أو وفق قراءات أيديولوجية انتقائية.
في زمن الحروب، تصبح الكلمة صورة، والصورة موقفًا، والموقف سلاحًا. وحين يختل ميزان المهنية، لا يكون المتضرر طرفًا سياسيًا بعينه، بل الحقيقة ذاتها. ولذلك، فإن استعادة الثقة لا تبدأ بالاعتذار عن خطأ تقني، بل بمراجعة شاملة للخط التحريري، والانحياز الصريح لقيم الدقة، والتوازن، واحترام عقل المشاهد.
فالإعلام الذي يفقد مهنيته، يفقد في النهاية تأثيره، مهما علا صوته أو اتسعت شاشته.




