من جبال النوبة إلى الجزيرة: الجريمة ذاتها… والجناة أنفسهم، فماذا ينتظر المجتمع الدولي؟
يعقوب التجاني المحامي

يعقوب التجاني المحامي
أعاد التحقيق الغربي المشترك الذي كشفت نتائجه شبكة CNN فتح ملفٍ دموي ظلّ مفتوحًا في السودان منذ أكثر من ثلاثة عقود، ملف الجرائم المنظمة التي ارتكبتها السلطة الحاكمة عبر الجيش والمليشيات المتحالفة معه ضد المدنيين، والتي لم تكن يومًا أحداثًا معزولة، بل نمطًا ثابتًا ومتكررًا من الانتهاكات الممنهجة.
ما جرى في ولاية الجزيرة، بحسب ما وثّقه التحقيق، من قتل جماعي على أسس عرقية، وإعدامات ميدانية خارج نطاق القانون، وإلقاء جثث الضحايا في القنوات المائية، ودفنهم في مقابر جماعية، ليس استثناءً ولا انحرافًا طارئًا في سلوك القوات التابعة لحكومة الحركة الإسلامية، بل هو امتداد مباشر لسجل طويل من الجرائم التي ترقى إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
هذه الانتهاكات لم تبدأ اليوم. ففي مطلع التسعينات، شهدت جبال النوبة بولاية جنوب كردفان واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ السودان الحديث، عندما قاد جهاز الأمن والاستخبارات أبناء النوبة إلى ما عُرف بـ«خور العفن» ليُقتلوا جماعيًا دون محاكمات، في سياسة تطهير عرقي واضحة المعالم. ثم تكرر المشهد في دارفور عام 2003، عندما أعلن أحمد هارون، على الملأ في الفاشر، أن «أموال وأرواح الزغاوة والمساليت والفور حلال»، وأطلق العنان للجيش والمليشيات لارتكاب جرائم «امسح، أكسح، قشّة قش».
حينها، تحرّك مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأصدر قراره الشهير بإحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية. وتمكن المدعي العام من إثبات وقوع تلك الجرائم، فأصدرت المحكمة أوامر قبض بحق عمر البشير، وأحمد هارون، وعلي كوشيب. غير أن فشل مجلس الأمن في تنفيذ هذه القرارات شكّل نقطة التحول الأخطر، إذ فتح الباب واسعًا أمام الإفلات من العقاب، وشجّع قادة هذا النظام على الاستمرار في ارتكاب المزيد من الفظائع وهم مطمئنون لغياب المحاسبة.
هذا الإفلات هو ما قاد مباشرة إلى إشعال الحرب الحالية، التي أُطلق عليها زورًا «حرب الكرامة»، بينما هي في حقيقتها حرب ضد الشعب السوداني. وخلالها، ارتُكبت أفظع الجرائم، بما في ذلك استخدام السلاح الكيميائي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إدانة هذه الممارسات رسميًا.
التحقيق الذي بثّته CNN لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى رصد وتوثيق دقيق لسلسلة من الانتهاكات في ولاية الجزيرة، نُفّذت وفق تعليمات مباشرة من قيادات جيش الحركة الإسلامية، التي ما تزال تتحدى المجتمع الدولي برفضها القاطع لأي لجان تحقيق مستقلة.
إن الفعل الجنائي واحد منذ التسعينات، والجاني واحد، والضحايا هم المدنيون العزّل. وما كان لهذه الجرائم أن تستمر لولا تواطؤ الصمت الدولي، وغضّ الطرف عن تنفيذ قرارات العدالة الدولية، في سابقة خطيرة تهدد السلم والأمن الدوليين.
اليوم، لم يعد السؤال: هل وقعت الجرائم؟ فالأدلة باتت دامغة. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيفعل المجتمع الدولي؟ وهل سيواصل مشاهدة الجناة وهم يقتلون بلا رادع، أم آن أوان كسر دائرة الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا، قبل أن تتحول هذه الجرائم إلى قاعدة دائمة في السودان؟




