رأي

لماذا ليست هذه «اللحظة الحاسمة»؟ تفكيك أوهام المقارنة وقراءة الحرب السودانية خارج استعارات أوروبا

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

تعود إلى الساحة الفكرية، كلما تعقّدت الحروب وتعاظمت المخاوف، نزعةٌ قديمة للهرب إلى التاريخ بحثًا عن تشبيهٍ جاهز، وعن استعارةٍ كبرى تريح العقل من عناء الفهم. وفي حرب السودان، برز خطاب «اللحظة الحاسمة» بوصفه محاولة لقراءة الصراع عبر مرآة الحرب العالمية الثانية، واستدعاء تجربة فرنسا وبريطانيا في مواجهة ألمانيا النازية، ثم إسقاطها إسقاطًا مباشرًا على واقع سوداني مختلف جذريًا في الشروط، والأطراف، والسياق، والمعنى.

غير أن هذه المقارنة، رغم بريقها البلاغي، لا تصمد أمام أي فحصٍ تاريخي أو سياسي جاد. فهي لا تضيء الواقع، بل تحجبه؛ ولا تفسّر الحرب، بل تعيد إنتاج خطاب التخويف القديم الذي خدم، لعقود، دولةً مختطفةً أكثر مما خدم شعبًا أو وطنًا.

ليست كل حربٍ كونية، ولا كل أزمةٍ تصلح لأن تُقاس على لحظة أوروبية

الحرب العالمية الثانية كانت صراعًا بين دول مكتملة البنية: دول صناعية، ذات جيوش عقائدية، واقتصادات حرب، وتحالفات عظمى واضحة. أما حرب السودان، فهي نتاج انهيار الدولة نفسها، لا تهديد خارجي لها. هنا لا توجد «ألمانيا نازية» تزحف على حدود دولة مستقرة، بل دولة تفككت من الداخل بعد عقود من حكم أيديولوجي صادر السياسة، وخصخص الاقتصاد، ودمّر الخدمة المدنية، واحتكر العنف باسم الدين والوطن.

تشبيه أي طرف سوداني بألمانيا النازية ليس فقط مضللًا، بل خطير؛ لأنه ينقل الصراع من سياقه الحقيقي بوصفه صراعًا على إعادة تأسيس الدولة، إلى صراع وهمي بين «شر مطلق» و«خير مطلق»، وهو المنطق ذاته الذي استُخدم لتبرير القمع والحروب الداخلية منذ الاستقلال.

الدولة التي يُقال إنها تُدافع عن وجودها، كانت قد فقدت معناها قبل أن تبدأ الحرب

خطاب «اللحظة الحاسمة» يفترض وجود دولة وطنية متماسكة مهددة بالسقوط، ويطلب من الإقليم والعالم أن يفزع لإنقاذها. لكن السؤال الجوهري هو: أي دولة هذه؟

هل هي الدولة التي جفّفت الخدمة المدنية، وحوّلت الاقتصاد إلى شبكة مصالح أوليغارشية؟

أم الدولة التي باعت الأراضي، وسمحت بتهريب الذهب، وعجزت عن حماية محاصيلها وثروتها الحيوانية؟

أم الدولة التي أدارت تنوع السودان بالقمع، وحكمت أطرافه بالحرب، ومراكزه بالامتياز؟

ما انهار في السودان ليس نتيجة هذه الحرب، بل سببها. والدولة، بمعناها المؤسسي والأخلاقي، كانت مختطفة منذ زمن طويل. لذلك فإن الحديث عن «الدفاع عن الدولة» دون تعريفها، ليس إلا دفاعًا عن بنية فشلٍ تاريخي.

حين يُزوَّر مفهوم الحاضنة الشعبية، تتحوّل الشعوب إلى ديكورٍ في مسرح الحرب

من أخطر ما في خطاب المقارنات الزائفة الادعاء بوجود «حاضنة شعبية» صلبة للجيش المؤدلج أو للحركة الإسلامية. هذا ادعاء يناقض التجربة الاجتماعية للسودانيين خلال أكثر من ثلاثين عامًا من الحكم الشمولي.

الشعوب التي عاشت القهر، والفقر، والتهميش، لا يمكن اختزالها في حاضنة صامتة أو كتلة ولاء جاهزة.

نعم، توجد حواضن اجتماعية لقوى مسلحة مختلفة، لكنها حواضن منقسمة، متحركة، ومشروطة، وليست كتلًا أيديولوجية صلبة. والخطأ القاتل هو التعامل معها إما بوصفها خطرًا وجوديًا، أو بوصفها تفويضًا مطلقًا، بدل فهمها كوقائع اجتماعية تحتاج إلى تنظيم سياسي رشيد، لا إلى استغلال عسكري.

القوة العسكرية بلا خطابٍ أخلاقي، انتصارها مؤقت وهزيمتها مؤكدة

في الحروب الحديثة، لم يعد الميدان وحده هو ساحة الحسم. الوعي العام، والخطاب الإعلامي، والقدرة على الاعتراف بالانتهاكات وحماية المدنيين، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن السلاح.

امتلاك قيادة عسكرية قوية لا يعوّض غياب قيادة إعلامية ومجتمعية رشيدة. فحين يُترك المجال الخطابي لخصوم الأمس، أو لخطاب التخويف الأيديولوجي، تتحوّل أي مكاسب عسكرية إلى عبء سياسي وأخلاقي.

الحرب في السودان ليست معركة «نجدة» خارجية، ولا تنتظر فزعة دولية على شاكلة ما حدث في أوروبا القرن الماضي. هي معركة وعي داخلي، يُحسم فيها السؤال: هل نعيد إنتاج دولة القهر بأدوات جديدة، أم نؤسس لمعنى جديد للسلطة؟

الريف السوداني لم يعد وقودًا للحرب… بل فاعلًا يبحث عن تمثيل

أحد التحولات العميقة في هذه اللحظة هو خروج الريف السوداني من موقع الأداة إلى موقع الفاعل. هذا الريف الذي طالما استُدعي للقتال، ثم أُقصي من القسمة، بدأ يطالب – للمرة الأولى – بتمثيل سياسي ومدني يعكس وزنه الحقيقي.

هذا التحول لا يعني تمجيد العنف، ولا تبرير الانتهاكات، بل يعني قراءة الواقع كما هو: كتلة اجتماعية صاعدة، تبحث عن إطار سياسي ينقلها من العنف العاري إلى الفعل المؤسسي. وأي تجاهل لهذه الحقيقة، أو تخويف منها أمام الجوار الإقليمي، هو استمرار للمنطق ذاته الذي فجّر الأزمة أصلًا.

الخطر على الإقليم لم يأتِ من الهامش، بل من دولة أيديولوجية صدّرت أزماتها

التهديد الحقيقي للأمن الإقليمي، تاريخيًا، لم يكن في مجتمعات السودان، ولا في تنوعه، بل في الدولة العقائدية التي حوّلت الخرطوم إلى مركز صراع، وتدخلت في شؤون الجوار، وناصبت العالم العداء باسم مشاريع أيديولوجية ميتة.

تخويف الإقليم من تفكك السودان دون الاعتراف بأن الدولة القديمة كانت عبئًا على محيطها، هو قلب للحقائق. أمن الجوار لا يتحقق بحماية بنية فاشلة، بل بدعم مسار يعالج جذور الأزمة، ويمنع إعادة إنتاجها.

هذه لحظة سودانية خالصة… لا تُدار باستعارات الماضي ولا بوصفات الخارج

ليست هذه «اللحظة الحاسمة» بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفته أوروبا. إنها لحظة مختلفة، بلا مثيل تاريخي مباشر، لأن الشعب – في أغلبيته – ليس طرفًا في الحرب، ولا يرى خلاصه في انتصار عسكري مجرد، ولا ينتظر تدخلًا خارجيًا لن يأتي.

الأمل الواقعي الوحيد يكمن في مشروع تأسيسي جديد:

مشروع لا يساوم على حماية المدنيين،

ولا يكرر جرائم الدولة القديمة،

ولا يستبدل استبدادًا بآخر،

ويعيد تعريف الدولة بوصفها عقدًا اجتماعيًا، لا غنيمة حرب.

ختاما الهروب إلى التاريخ لا يصنع وعيًا، واستدعاء أوروبا لا يفسّر السودان. هذه الحرب لن تُحسم بمنطق «اللحظة الحاسمة»، ولا بانتظار فزعة خارجية، ولا بتخويف الجوار من أشباح مصنوعة.

ستُحسم فقط حين يعترف السودانيون بأن دولتهم القديمة انتهت، وأن ما يُولد اليوم – رغم آلامه وتناقضاته – هو فرصة نادرة لإعادة التأسيس.

أما من يصرّون على قراءة اللحظة بعيون الأمس، فسيكتبون كثيرًا…

لكن التاريخ، كعادته، سيمضي في اتجاه آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!