رأي

الكيزان سرطان السودان: عقود من الانهيار وإرث الفساد الديني والسياسي

أبو عبدالله الراشدي

 

أبو عبد الله الراشدي

حين يتأمل أي متابع للتاريخ السوداني، يدرك أن الأزمة الحالية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل امتداد لمسار طويل من الإخفاقات البنيوية والتدخلات الخارجية والمحلية منذ ما قبل الاستقلال. فقد بدأت مع وكلاء الاستعمار الذين أسسوا الدولة على أسس هشة، قائمة على الولاءات الضيقة، وحكمت البلاد طبقة أوليغارشية ضاقت بها دائرة النفوذ على حساب مصالح المواطن العادي. هذه البنية لم تكن قادرة على خلق مؤسسات قوية أو بناء دولة متينة تستطيع أن تحمي حقوق الإنسان وتفرض العدالة الاجتماعية، ما جعل السودان أرضًا خصبة للأزمات المتعاقبة.

مع الاستقلال، ظهر نوع من التفاؤل بتحقيق الدولة الوطنية الحديثة، لكن الواقع كشف سريعًا عن هشاشة المشروع الوطني. فقد فشلت النخب السياسية في تفكيك البنية التقليدية التي حكمت علاقات السلطة والثروة، ولم تتمكن من بناء قاعدة وطنية جامعة. الدولة بقيت مسيطرة عليها الولاءات القبلية والطائفية، وفشل مفهوم المواطنة في أن يتجذر داخل المجتمع. هذا الفشل التاريخي مهد الطريق لجماعات الهوس الديني، التي وجدت في الانقسامات الاجتماعية والأزمات السياسية فرصة للسطو على مقدرات الدولة.

لقد تحوّل الانقلاب المشؤوم في ليلة الجمعة الثلاثين من يونيو 1989 إلى نقطة فاصلة في تاريخ السودان الحديث. فقد أسس الكيزان لعقود من الحكم المستبد، الذي ارتكب خلاله الفظائع والجرائم والانتهاكات في كل مناحي الحياة. لم تكن سلطتهم مجرد سيطرة على الحكم، بل شملت إعادة تشكيل المجتمع على أسس دينية وسياسية ضيقة، أضعفت الدولة ومؤسساتها وأبعدت الكفاءات الوطنية عن مواقع صنع القرار. سيطرت هذه الجماعات على الاقتصاد والسياسة والقضاء والإعلام، بما أدى إلى غياب العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد بشكل منهجي.

الكيزان عملوا على استخدام الدين كغطاء سياسي، وحوّلوا الولاءات القبلية والطائفية إلى أدوات لضمان السيطرة. ومع مرور الزمن، أصبح الولاء للكيان الضيق أقوى من الولاء للوطن الكبير، وتحولت الدولة إلى أداة لإدامة النفوذ، لا لتحقيق المصلحة العامة. هذه السياسات لم تؤدِّ فقط إلى انهيار المؤسسات، بل ساهمت أيضًا في تفاقم الفقر وتدمير التعليم والصحة، وتوسيع الهوة بين المناطق الحضرية والمناطق النائية، بين النخب والمواطن العادي.

كما أن الجيش، الذي لطالما كان وسيلة لتغيير الواقع السياسي في السودان، أصبح جزءًا من المشكلة، لأنه لم يُحرر من الانشغال بالسياسة والاقتصاد، بل استُخدم لتثبيت النظام، وإعادة إنتاج الولاءات القديمة تحت شعارات دينية وزعامات جديدة. هذا الوضع خلق دائرة مفرغة من الانقلابات والاضطرابات، حيث كل محاولة لإصلاح الدولة اصطدمت بإرث الكيزان العميق في البنية السياسية والاجتماعية.

إعادة بناء السودان اليوم تتطلب مقاربة شاملة وجذرية. يجب تحرير الجيش من الانشغال بالسياسة والاقتصاد، وإعادة هيكلته ليصبح قوة وطنية تعمل لحماية الوطن، وليس لتثبيت هيمنة أي جماعة أو فئة على حساب الآخرين. كما يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تشمل الديمقراطية المستدامة، والتنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان المستدامة. هذه العملية لن تتحقق إلا عبر تحقيق العدالة التاريخية الانتقالية، التي تعيد الحقوق إلى أصحابها وتنصف الضحايا من جرائم الماضي، وتضع حدًا للانتهاكات المتكررة التي ارتكبها الكيزان على مدى عقود.

الفرصة أمام السودان اليوم لا تزال قائمة، لكنها تحتاج إلى قيادة واعية، قادرة على دمج القوى السياسية المختلفة، وتجاوز الانقسامات التاريخية، وتأسيس مؤسسات قوية ومستقرة. يجب أن تكون هذه المؤسسات قادرة على حماية حقوق المواطن، وتحقيق التنمية، وإرساء العدالة الاجتماعية. ومن دون هذه البنية، سيظل السودان أسيرًا لإرث الفساد والانقسامات، ولن يتمكن من تحقيق أي تقدم حقيقي.

إن تجربة الكيزان تعلمنا درسًا قاسيًا، وهو أن الدولة لا يمكن بناؤها على الولاءات الضيقة أو الانتهاكات الدينية والسياسية، وأن المستقبل لن يُبنى إلا من خلال مؤسسات قوية، وعدالة شاملة، وقيادة وطنية تهتم بالمصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر. إن استعادة السودان كدولة حقيقية تعني تجاوز الماضي دون إنكاره، ومواجهة إرث الفساد والظلم، وبناء وطن يستحق الثقة والكرامة لكل أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!