رأي

السودان بين البناء والتحول: الدولة، الجيش، والعدالة التاريخية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لا حرية ولا عدالة دون مؤسسات قوية، ولا مؤسسات قوية دون قيادة واعية ونظام يحترم الحقوق.

يمر السودان اليوم بمرحلة مفصلية في تاريخه، مرحلة تتقاطع فيها طموحات الشعب الوطني مع تحديات تاريخية واجتماعية معقدة، وتفرض نفسها على كل القوى السياسية والاجتماعية. إن الأزمة السودانية ليست مجرد صراعات مسلحة أو تقلبات سياسية، بل هي أزمة عميقة في بناء الدولة نفسها، في هوية المواطن، وفي قدرة النخب على الجمع بين الحداثة ومتطلبات المجتمع التقليدي. فالدولة السودانية، كما بنيت على مدى سبعة عقود، ظلت متأرجحة بين الولاءات القبلية والروابط الدينية والاجتماعية، وأضحت المؤسسات الوطنية هشة وغير قادرة على حماية الحقوق أو تنظيم الموارد بشكل عادل.

في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن التحول الوطني دون التطرق إلى المؤسسة العسكرية، التي لطالما كانت حاضرة في كل مفصل من مفاصل السلطة. لقد حاولت النخب الحداثية استخدام الجيش كأداة لإحداث التغيير، ظنًا منها أنه وسيلة للتحرر من قيود التقليدية. إلا أن التجارب التاريخية أكدت أن الجيش، إذا لم يُحرر من الانشغال بالسياسة والاقتصاد، يصبح جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل. إعادة بناء الجيش من جديد، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والمصالح الاقتصادية، أمر أساسي لإعادة تعريف الدولة، ووضعها على مسار الديمقراطية المستدامة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان المستدامة.

تحقيق هذه الرؤية يتطلب مقاربة شاملة تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: بناء مؤسسات مدنية قوية، تعزيز العدالة التاريخية الانتقالية، وتمكين المواطن من المشاركة الفاعلة في صنع القرار. فالعدالة التاريخية الانتقالية ليست مجرد عملية رمزية، بل هي آلية لاسترداد الحقوق، ومعالجة المظالم، وإنصاف الضحايا الذين تحملوا آثار النزاعات الطويلة والسلطات الجائرة. من دون هذه العدالة، ستظل الدولة الجديدة مجرد كيان شكلي، بلا قدرة على الاستمرار أو ضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

إن إعادة تعريف الدولة على أسس جديدة يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمواطن، بحيث تصبح المؤسسات الوطنية هي المرجع الوحيد، والقوانين هي الضمانة الأساسية، لا الولاءات التقليدية أو المصالح الضيقة. الديمقراطية المستدامة، في هذا السياق، ليست مجرد ممارسة انتخابية مؤقتة، بل نظامًا مؤسسيًا يضمن تمثيل جميع القوى والأطياف، ويحقق توازنات عادلة بين الفيدرالية والإقليمية والمحلية، ويوفر إطارًا قانونيًا فعالًا يحمي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للمواطنين.

أما التنمية المستدامة، فهي عنصر لا يقل أهمية عن الديمقراطية، لأنها الضامن الحقيقي لتحسين حياة المواطنين، ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. التنمية المستدامة في السودان لن تتحقق إلا من خلال مؤسسات قادرة على إدارة الموارد الوطنية بشكل عادل وشفاف، وتوفير فرص متساوية للشباب والمرأة والمناطق المهمشة، وخلق بيئة تسمح بالإبداع والابتكار والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني.

حقوق الإنسان المستدامة تكمل هذه الرؤية، لأنها تضمن حماية الفرد والمجتمع من أي استبداد أو ظلم، وتعزز ثقافة المواطنة المتساوية. تحقيق حقوق الإنسان بشكل مستدام يعني أن كل مواطن، بغض النظر عن خلفيته العرقية أو الدينية أو الاجتماعية، يمكنه الوصول إلى العدالة، والخدمات الأساسية، وفرص المشاركة السياسية والاقتصادية دون أي تمييز. وهذا يتطلب مؤسسات قضائية وإدارية قوية وشفافة، تكون قادرة على متابعة تطبيق القوانين وحماية الحقوق بشكل دائم وفعال.

الفرصة الآن أمام السودان ليست مجرد تغيير سطحي، بل هي فرصة لإعادة تأسيس الدولة من جذورها، بحيث تصبح المؤسسات قادرة على الصمود أمام الأزمات، والجيش جزءًا من حماية الوطن لا أداة للسياسة، والمواطن شريكًا فاعلًا لا متفرجًا، والتاريخ مصدرًا للتعلم لا عبئًا يعيق التقدم. في هذا المسار، يصبح كل مشروع وطني ناجح قادرًا على دمج الحداثة مع الموروث، وتحويل التعددية الاجتماعية والثقافية إلى قوة للدولة وليس إلى مصدر انقسام.

إن أي مشروع للتغيير في السودان يجب أن يبدأ بفهم أن الدولة ليست مجرد سلطة سياسية أو مؤسسة عسكرية، بل هي شبكة من المؤسسات التي تحمي الحقوق وتحقق العدالة وتدعم التنمية. القيادة التي تمتلك القدرة على بناء هذه المؤسسات، وتحقيق العدالة التاريخية الانتقالية، وتحرير الجيش من الانشغال بالسياسة والاقتصاد، هي القادرة على تحويل السودان إلى دولة مدنية عادلة ومستقرة، تحترم تنوعها وتحقق طموحات شعبها في الحرية والكرامة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!