رأي

شرعية الإنجاز وإنسانية المبدأ، قراءة في دلالات بيان “هيئة الوصول الإنساني”

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

تشهد الساحة السيِّاسيِّة السُّودانية تحولات جذرية عميقة تعيد رسم خارطة الاعتراف الدولي، وتضع القوى الفاعلة أمام اختبارات حقيقية تتجاوز منطق القوة العسكرية المجرّدة إلى فضاء الشرعية المؤسسية والمسؤولية الأخلاقية، ومن المسلم به أن الأزمات الكبرى تفرز دائما أدواتها السيادية البديلة التي تستمد قوتها من قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للشعوب وحمايتها، وفي هذا السياق، جاء البيان الأخير للهيئة الوطنية للوصول الإنساني في حكومة السلام بجمهورية السودان، الصادر في الثالث عشر من مايو 2026، ليمثل وثيقة سياسية بالغة الأهمية، تتخطى في أبعادها مجرد تمديد فترات التسجيل الفني للمنظمات، لتكرس واقعا سياسيا ودبلوماسيا جديدا على الأرض.

الواقعية السياسية وفرض السيادة الفعلية

إن إعلان الهيئة تمديد فترة تسجيل واعتماد المنظمات العالمية والوطنية حتى الثالث عشر من يونيو 2026م يعكس ثقة سيادية واضحة واستقرارا إداريا متمكنا، وبما أن لغة الأرقام تتحدث، فإن استجابة 36 منظمة عالمية من أصل 43، وانخراط 138 منظمة وطنية في العمل تحت مظلة حكومة السلام والوحدة، يمثل تحولا استراتيجيا كبيرا، ومصداقا لقولنا، فإن هذا التجاوب الواسع يشكل خطوة سياسية قوية تُضعف من موقف سلطة بورتسودان المعزولة على مستوى دول الجوار والاتحادات الأفريقي والاوروبي والعالم الحر ، وبالمقابل، ومما لا شك فيه أن هذا التواجد الكثيف للمنظمات العالمية في مواقع حكومة السلام والوحدة يعود إلى وجود حكومة شرعية وفعلية على الأرض تعمل من خلال مؤسسات دولة حقيقية تسيطر على ثلثي السودان، وتمثل غالبية الشعوب السودانية، وقطعا، إن هذا الثقل الجغرافي والديمغرافي هو الذي يفرض نفسه اليوم كمرجعية وحيدة للتعامل الدولي.

الضرورة الإنسانية والالتزام بالمنظومة الدولية

ولئن كان الصراع على الشرعية يدور في أروقة السياسة، إلا أن المحك الحقيقي يظل دائما مرتبطا بإنقاذ حياة الإنسان، ومن هنا تبرز الحوجة الماسة والضرورة الإنسانية لإغاثة ملايين السودانيين والسودانيات المتواجدين في نطاق سيطرة حكومة السلام والوحدة، علاوة على ذلك، يتأسس هذا النجاح الإداري على معايير صارمة تتعلق بتبني والتزام حكومة السلام بالعهود والمواثيق الدولية، وإيمانها بمبادئ حقوق الإنسان، وانفتاحها المستمر مع العالم الحر، نظير ذلك، يجد المجتمع الدولي نفسه مدفوعا بمسؤولية أخلاقية وقانونية للتنسيق المباشر مع هذه السلطة القائمة، مما يؤدي بالضرورة إلى سحب البساط الإجرائي من القوى المقابلة الموجودة في بورتسودان، بيد أن حكومة السلام الشرعية هي التي تحمي المدنيين وتسهل تدفق المساعدات دون عوائق بيروقراطية أو اشتراطات مسيسة.

 

*تعدد مراكز القرار لدى بورتسودان واستخدامها الاغاثة ككرت سياسي للإبتزاز*

 

تقف عصابة بورتسودان على النقيض تماما من مبادئ القيم الإنسانية والمواثيق الدولية التي ترى في الإغاثة عملا انسانيا ولا يجب ربطه بالملفات السياسية واستغلال المحن وحوجة الشعوب الملحة بتوظيفها في النزاعات، وعلى الرغم من ذلك، عصابة بورتسودان تتخبط إداريا جراء تعدد مراكز القرار فيها وأصبحت تستغل الإغاثة ككرت سياسي تبتز به الأسرة الدولية لتحقيق أجندة سياسية تتعارض مع ما تنشده دول العالم الحر، وبالمقابل وعلى النقيض من ذلك تُظهر حكومة السلام انضباطا مؤسسيا رفيعا يتجلى في مرونة مؤسسية قرارات الهيئة الوطنية للوصول الإنساني، إذ ما لبث أن صدر البيان حتى تحركت الآليات الدولية لتوفيق أوضاعها القانونية قبل الشتاء المقبل.

 

وخلافا لما سبق من سياسات الحصار والمنع التي انتهجتها الأنظمة الشمولية في بورتسودان، تقدم حكومة السلام نموذجا جاذبا للمجتمع المدني العالمي، كما لو أن الدولة السودانية تستعيد دورها الطبيعي كشريك موثوق في المنظومة الدولية، ويضاف إلي ما سبق، أن تمديد مهلة الاعتماد يمنح شركاء الإنسانية وقتا كافيا لترتيب خططهم الإغاثية، ريثما تكتمل الترتيبات اللوجستية والفنية الشاملة على الأرض، مما يترتب عليه استقرار كامل في عملية تدفق وإنسياب الإمداد الإنساني والطبي.

 

*مستخلص القول*

 

إن البيان الأخير للهيئة الوطنية للوصول الإنساني تخطى مسألة الإجراء الإداري العادي، بيد أنه يمثل شهادة ميلاد متجددة لشرعية دولية تُكتسب عبر خدمة الإنسان والالتزام بالمواثيق العالمية، وبالتالي، فإن تفاعل هذا العدد الضخم من المنظمات الدولية والوطنية يثبت تفوق خيار السلام والوحدة وعمق أثره على الأرض، وهنا حريَّ بنا القول إن المشهد السوداني يتجه نحو وضوح أكبر في تحديد مركز القرار الحقيقي، فبينما تتآكل قدرة سلطة بورتسودان، فها هي تتقدم حكومة السلام بخطى واثقة نحو بناء دولة المؤسسات، مسنودة بثقة المجتمع الدولي والحاجة الملحة لملايين المواطنين، وهي معطيات تؤكد حقا وصدقا أن المستقبل ينحاز لمن يملك الأرض، ويحمي الشعب، ويحترم القانون الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!