رأي

حين لا يعود الإصلاح خيارًا: ضرورة تأسيس جيش جديد للدولة

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

تُطرح مسألة الجيش في السودان غالبًا بوصفها ملفًا قابلًا للإصلاح، وكأن الأزمة لا تتجاوز اختلالات إدارية أو انحرافات مؤقتة في المسار. غير أن هذا الطرح، مهما بدا عقلانيًا، يتجاهل حقيقة أكثر قسوة: المؤسسة العسكرية، بصيغتها الراهنة، لم تعد قابلة للإصلاح لأنها لم تعد مملوكة للدولة أصلًا. ما نواجهه اليوم ليس جيشًا يحتاج إلى تقويم، بل بنية مختطفة بالكامل، أُعيد تشكيلها لخدمة مشاريع سياسية واقتصادية، لا لحماية المجتمع.

الاختطاف هنا ليس توصيفًا بل واقعًا. فالجيش، عبر عقود، جرى تفريغه من مهنيته، وإعادة بنائه على أسس الولاء الأيديولوجي والمصلحة الفئوية. تداخلت قيادته مع شبكات سلطة ومال، واستقلت وحداته اقتصاديًا، وتعددت مراكز القرار داخله، حتى فقد صفته كمؤسسة وطنية موحّدة. في هذه المرحلة، يصبح الحديث عن “إصلاح” شبيهًا بمحاولة ترميم بناء انهارت قواعده.

ما حدث في الحرب الأخيرة أكد هذا الانسداد. فحين تُدمَّر العاصمة، ويُترك المدنيون بلا حماية، وتتحول المدن إلى ساحات قتال مفتوحة، لا يمكن الادعاء بأن الخلل طارئ أو قابل للمعالجة الجزئية. الذي انهار هو العقد غير المعلن بين المجتمع والمؤسسة العسكرية. ولم يعد ممكنًا إقناع الناس بأن هذه البنية، التي فشلت في أداء وظيفتها الأساسية، يمكن إعادة تأهيلها بالأدوات نفسها التي أنتجت فشلها.

الأخطر أن استمرار التمسك بخيار “الإصلاح” يمنح الوقت والمساحة للقوى التي اختطفت الجيش أصلًا. فهو خطاب مريح للفاعلين المسيطرين، لأنه يوحي بالتغيير دون أن يمس جوهر السيطرة. أما الواقع، فيشير إلى أن أي محاولة إصلاح من الداخل ستُفرغ من مضمونها، لأن مراكز النفوذ العسكرية والاقتصادية أقوى من أي إرادة تقنية أو إدارية.

من هنا تبرز الضرورة القصوى لتغيير جذري في المقاربة: السودان لا يحتاج إلى إصلاح جيش قائم، بل إلى تأسيس جيش جديد. جيش يُبنى من الصفر، بعقيدة مهنية واضحة، وتحت سلطة مدنية، وبقانون يحدد مهامه بدقة، ويمنع تدخله في السياسة والاقتصاد. جيش لا يملك شركات، ولا أذرعًا موازية، ولا ولاءات خارج الدستور.

تأسيس جيش جديد ليس فكرة راديكالية، بل استحقاق دولة خرجت من حرب أهلية وانهيار مؤسسي. تجارب كثيرة حول العالم تؤكد أن إعادة بناء المؤسسات الأمنية بعد الصراعات لا تتم عبر ترقيع القديم، بل عبر القطع معه. هذا المسار صعب، ويتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا، وعدالة انتقالية، وإرادة مدنية حازمة، لكنه أقل كلفة من إعادة تدوير الفشل.

الخطر الحقيقي لا يكمن في تفكيك مؤسسة مختطفة، بل في الإصرار على بقائها بوصفها قدرًا لا يُمس. فالدولة التي تريد النجاة لا تحتمي بالأساطير، بل تبني مؤسساتها على أسس جديدة. والسودان، إن أراد الخروج من دوامة العنف، لا بد أن يواجه الحقيقة دون مواربة: الجيش بشكله الحالي انتهى دوره التاريخي، وبقاء الدولة مرهون بجرأة البدء من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!