صناعة الوهم… كيف تحوّل الإعلام الفُلولي إلى ماكينة إنتاج روايات مضللة؟؟
عبد الرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا

عبدالرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا
شهد المشهد الإعلامي في السودان خلال السنوات الأخيرة انفجاراً غير مسبوق في حجم الحملات الموجّهة ضد قوات الدعم السريع، وهي الحملات التي لم تكن همّها الأساسي تقديم الحقائق أو خدمة الرأي العام، بل تسليط الضوء على سرديات مصممة لتشويه صورة القوات واستثمار أي حادث لإنشاء روايات جاهزة لا تقبل المراجعة. المنصات الإعلامية المرتبطة بفلول النظام البائد ودوائر إقليمية ذات مصالح سياسية، عملت على تحويل أي تقرير عن نشاط الدعم السريع إلى أداة للصراع السياسي، بعيداً عن التحقق من الوقائع أو مراعاة السياق الإنساني.
لقد بُنيت العديد من الإدانات الدولية على تقارير لم تخضع لأي منهج تدقيق ميداني، أو اعتمدت على شهادات لم يتم التأكد من صحتها، وأعيد تدويرها في منصات إعلامية واضحة الولاء لأجندات سياسية. وقد ظهر هذا الخلل بشكل واضح في تقارير متداولة عن أحداث في الفاشر والخرطوم والجزيرة، إذ تبين لاحقاً أن جزءاً كبيراً من هذه السرديات اعتمد على معلومات غير دقيقة، أو تم تضخيمها بشكل متعمد لتقديم الدعم السريع كطرف مُرتكب للانتهاكات بينما تُتغاضى عن أفعال أطراف أخرى.
ما يفاقم الوضع أن بعض هذه المنصات لم تكن معنية بالتقصي أو استجلاء الحقائق، بل ركّزت على بناء صورة أحادية الأبعاد لقوات الدعم السريع، بما يخدم مصالح جهات سياسية وجهوية وعنصرية، مستفيدة من انقسامات المجتمع لإضفاء مصداقية على رواياتها. هذه الأساليب الإعلامية لا تؤدي إلى العدالة أو الحقيقة، بل تعمّق الانقسامات وتحوّل معالجة الانتهاكات إلى حرب إعلامية ضد طرف بعينه، بعيداً عن منهجيات التوثيق والبحث المستقل.
وفي المقابل، كشفت الوقائع الميدانية، سواء في الفاشر أو الخرطوم أو الجزيرة، أن كثيراً من الادعاءات ضد الدعم السريع كانت مبنية على روايات غير دقيقة، بينما أظهرت بعض التقارير الإنسانية والإشادات المجتمعية مستوى التعامل الإنساني للنقاط والمراكز التي تديرها القوات، مقارنة بما ارتكبه أطراف مسلحة أخرى من ممارسات عنيفة ووحشية، شملت استهداف المدنيين على أساس الهوية، والقتل والتنكيل.
إن إعادة النظر في هذه التقارير وتقييمها بموضوعية، بعيداً عن التوظيف السياسي، هو السبيل لضمان أن تبقى أي متابعة دولية أو محلية عادلة، وأن تُسجل الانتهاكات بحق مرتكبيها الحقيقيين. المجال العام لا يُبنى على التضليل، بل على الحقائق الموثقة، والمجتمع السوداني بحاجة إلى وعي يعزز القدرة على فرز الوقائع من الشائعات والأكاذيب.
أخطر الأكاذيب ما يُقال بثقة، ثم يُصدّق لكثرة ترداده.




