
عادل تاج الدين جار النبي
في بلد يثقل كاهله النزاع والشتات، تظهر بين الحين والآخر لحظات تذكّرنا أن قوة الأمم ليست بما تملكه من ثروات، بل بما تحتفظ به من قيم إنسانية راسخة. هذا ما جسّدته حكاية الممرضة السودانية رانية حسن أحمد علي، التي تحولت محنتها في الغربة إلى رمز يلخص عظمة الشعب السوداني.
رانية كانت تؤدي عملها في قسم الحضانة بمدينة تبوك حين واجهت حكمًا قضائيًا بدفع أكثر من 200 ألف دولار جراء خطأ طبي غير مقصود. حكم كفيل بإنهاء مستقبلها، لكن الشعب السوداني لم يتركها وحدها. فخلال ٢٤ ساعة فقط، هبّ الآلاف من أبناء الوطن في الداخل والخارج، وجمعوا المبلغ كاملًا عبر حملة تضامن غير مسبوقة.
لم يكن ما حدث مجرد مساعدة مالية، بل عودة حيّة إلى القيم التي صنعت هوية السودان: الشهامة، النجدة، والإيثار. لقد وجّه السودانيون رسالة واضحة للعالم: رغم الجراح والظروف العصيبة، ما زال السودان قادرًا على العطاء، وما زالت روح الجماعة فيه أقوى من المحن.
قصة رانية لا تنتهي عند إنقاذها، بل تفتح الباب لسؤال أكبر: إذا كان السودانيون قد أنقذوا ابنتهم في ليلة واحدة، فهل يعجزون عن إنقاذ وطنهم من أزماته المستمرة؟ أليست الروح نفسها قادرة على جمع القلوب حول مشروع وطني يعيد بناء السودان؟
لقد أصبحت رانية أكثر من ممرضة غريبة في تبوك؛ صارت رمزًا لميلاد وطن جديد من رحم الألم، ودليلًا على أن أمة تنهض لفرد، قادرة أن تنهض بكاملها.
دالاس/ تكساس
الجمعة الجامعة ٢٢ أغسطس ٢٠٢٥




