
الطاهر علي موسى
عند زيارة مدينة الفاشر، شعرت بأن الحاضر يكشف لنا معانٍ تتجاوز الصور النمطية التي رسّخها الإعلام. فقد حاولت بعض الجهات تصوير المدينة وكأنها مأهولة بالأشباح، وأن الحياة فيها توقفت تماماً بسبب الأحداث الأخيرة، لكن الواقع على الأرض كان مختلفاً تماماً. الفاشر، رغم الجراح العميقة التي خلفتها الصراعات، تبدو مدينة صامدة، تنبض بالحياة والإرادة في كل زاوية من زواياها.
في شوارعها رأيت الأطفال يلعبون على الرغم من الصعاب، والتجار يعيدون فتح محالهم تدريجياً، والنساء يتبادلن التحايا بخجل، وكأن كل حركة بسيطة تُعلن عودة الحياة. إن مشاهدة هذه الصور اليومية البسيطة تعطي شعوراً عميقاً بأن المدينة، برغم ألمها، ما زالت تحتفظ بقدرتها على التعافي، وأن الأمل يمكن أن يزهر وسط الأنقاض.
كانت زيارة المستشفى السعودي محطةً مهمة لفهم حقيقة ما يحدث على الأرض. فقد تحدّث بعض الإعلام المضلل عن مصاعب داخل المستشفى وعن معاملة سيئة للمرضى، لكنني وجدت واقعاً مختلفاً تماماً: حركة ونشاط، ورعاية طبية وغذائية متكاملة، وطاقم طبي يقدّم الخدمات بمهنية وابتسامة، كما لو أن الإنسانية لم تغب عن هذه المدينة بالرغم من الألم والدمار. إن رؤية الطبيب الشاب وهو يربت على كتف مريضه مبتسماً كانت كافية لتأكيد أن الحياة ما زالت موجودة، وأن الأمل حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية.
تجسدت روح الفاشر أيضاً في المناطق النائية مثل قرني وكركر، حيث استقبلنا الأهالي بحرارة، تعبيراً عن امتنانهم لكل جهد إنساني يعيد لهم الأمل. تحدث الشيوخ عن الأشهر الصعبة التي مرت بها المدينة، وعن فقدان الخدمات الأساسية، لكنهم أيضاً عبّروا عن إيمانهم بأن القادم سيكون أفضل، وأن الأرض التي سالت عليها الدموع ستستعيد أمنها واستقرارها. المشهد في كركر كان مؤثراً بشكل خاص، إذ اصطف الأطفال على جانبي الطريق وهم يلوّحون بأيديهم، في لوحة تشبه الفجر بعد ليل طويل، تجسيداً لانتصار الحياة على الألم.
إن وصول القوافل الإغاثية بشكل منتظم، وتقديم الخدمات الطبية والاجتماعية دون تفرقة، أعاد الثقة في أن السودان قادر على الصمود، وأن الإرادة الجماعية يمكن أن تُعيد البناء حتى بعد أعتى الأزمات. لقد حملت زيارتي للفاشر مزيجاً من الحزن والأمل؛ الحزن لما عانته المدينة من مصاعب، والأمل في أن جهود الناس والعمل المشترك يمكن أن يعيدا إليها الحياة شيئاً فشيئاً.
تعلمت من الفاشر أن الحقيقة لا تُعرف من وراء الشاشات، بل تُلمس على الأرض، بين الناس، في الابتسامة، واللقاء، والجهود اليومية. وأن السودان، مهما عصفت به الأزمات، ما زال يحتفظ بقلب كبير ينبض بالعطاء، ينتظر فقط من يصغي إليه، ومن يشارك أبناؤه في إعادة بناء الوطن وضمّ جراحه. فالفاشر ليست مجرد مدينة جريحة، بل رمز للصمود والتحدي، ودليل حي على أن الإرادة الإنسانية قادرة على إعادة الأمل مهما طال الليل.




