رأي

ديسمبر من الشارع إلى التاريخ

علي سانتينو

 

علي سانتينو

في ديسمبر، لم يخرج السودانيون إلى الشوارع للنزهة، كانت الشوارع تُستدعى من سباتها لتشهد ولادة الوطن من جديد. لم يكن هتاف الشعب صوتاً يعبر، بل صواعق تضرب جدار الخوف حتى تهشّم. كانت الحناجر بنادق، والأرصفة دفاتر التاريخ، وفي 19 ديسمبر كتب الشعب السوداني بلا وصاية، شهادة ميلاد جديد لبلدٍ اختُطف ثلاثين عاماً.

لم تكن ثورة ديسمبر حدثاً استثنائياً، كانت قطيعة. قطيعة مع حكم الحركة الإسلاموية الذي سيطر بالحديد والنار، وسرق وقتل باسم الدين، وأفقر باسم المشروع الحضاري. ثلاثون عاماً من الكذب المقدّس، انهارت أمام ثلاث كلمات عارية من الزيف، كلمات ( حرية، سلام، وعدالة) كلمات بدت بسيطة، لكنها أخطر من المدافع، لأنها أصابت جوهر الاستبداد.

الحرية في ديسمبر لم تكن شعاراً رومانسياً، كانت معولاً لهدم سجون الظلم قبل أن تٌكسر الأقفال. فالسلام المطلوب ليس هدنة بين العسكريين بقدر ماهي وعداً بإنهاء الحروب من جذورها وإعادة القرى لأهلها، والاسماء لاصجابها.

الأطفال الذين واجهوا الرصاص بالضحك، والنساء اللآتي صنعن من الزغاريد دروعاً، والشباب الذين سخروا من الموت حتى ارتبك الجلاد، هم من أسقطوا واحداً من أعتى أنظمة القمع في المنطقة، نظام عاش على الفساد وتغذّى على الفتات المسروق من أفواه الجياع، وتدثّر بالدين ليخفي عورته الأخلاقية.

لقد سقط البشير، بديسمبر ولم يحتفل الثوار بسقوط الرأس وتنسَون الجسد. كانوا يعرفون أن النظام شبكة معقدة من الفئات والعناصر التخريبية، وأن الاستبداد سرطان، والانقلابات مرتبة. ان انقلاب 25 أكتوبر لم يكن مفاجئاً، بل كان اعترافًا فاضحاً بأن الثورة أصابتهم في مقتل، وأنهم لا يعيشون إلا في (الظل)، ولا يحكمون إلا على ظهر دبابة.!

ديسمبر قالت بوضوح لا يحتمل التأويل، لا سياسة في الثكنات العسكرية، ولا وطنية بالنياشين، ولا دولة تُدار من فوهة بندقية. الجيش يكون جيشاً للوطن حين يعود إلى مكانه الطبيعي، وتكون السلطة مدنية كاملة. هذه الثورة وضعت التحول المدني الديمقراطي كقدر، لا كمساومة، وجعلت العدالة قلب المعركة لا هامشها.

ان لغة ثورة ديسمبر ليست محايدة، لأنها مع الضحايا، لغة تفضح تجّار الدم وتعرّي سماسرة الوطن، بل تكسر الأصنام التي تدعي الوطنية زوراً. وفي ديسمبر لم يطالب السودانيين بالرفاهية، بل طالبوا بحقهم الطبيعي في الحياة الكريمة.

ومهما اشتدت العواصف، تظل ديسمبر حاضرة في خاصرة الطغيان. تذكّرنا بأن الثورة ليست لحظة، بل مسار، وأن الهزيمة الحقيقية هي التراجع عن حلم الشعوب المتوج بالحرية والسلام، والعدالة. هذه الشعارات ليست حبراً على الجدار، لكنها عهداً ووعداً وبوصلة لا تنكسر. ديسمبر لم تمت يوماً لأنها وعدا متقداً والوعود لم يُهزم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!