
ابراهيم مطر
(نضال السودانيين ضد المستعمر – لا سيما الاستعمار الإنجليزي المصري – قديم، ولا نعترف بخطوط حمراء ولا خضراء يضعها لنا الآخرون داخل بلادنا)، قال متحدث باسم تحالف السودان التأسيسي خلال لقاء جمعه مع “المصرية” أماني الطويل و”البلبوسي” الضو بلال على شاشة قناة العربي، ملمحاً في ما يشبه التصريح إلى أن قتال الجيش المصري إن هو وطأ أرض السودان – تحت أي ذريعة – هو “فرض عين”، على كل سوداني وسودانية.
لكن ولكيما تكتمل الصورة فلا بد من الرجوع لبيان الرئاسة المصرية الذي سبق حديث “حسب النبي” القاطع هذا، بكل ما حمل من تهديدات صريحة ومتعددة، وخطوطاً حمراء أكثرت القاهرة من وضعها، مبدية حرصاً – مبالغاً فيه – على إمور هي من صميم الشأن الداخلي السوداني.
وأنت تستطيع يا عزيزي القارئ، أن تشتم في بيان الرئاسة المصرية الذي سبق هذا اللقاء التلفزيوني – وبوضوح – رائحة الوصاية، وربما الازدراء، حين تقحم مصر نفسها في الصراع الداخلي بطريقة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها “مستفزة”.
لكن وبعيداً عن الغضب والغضب المضاد، ينتابك يا عزيزي القارئ حب استطلاع لمعرفة سر هذا التحول – غير اليسير – في الموقف المصري، وانتقال القاهرة من “دعم الجيش سراً وإنكار ذلك في العلن وادعاء الحياد”، إلى هذا الموقف الانفعالي المتعجل، والذي يناقض وينكر ما اجمعت عليه الرباعية – ومنها مصر – من أن للإخوان المسلمين اليد الطولى في قرار الجيش! وكذلك حديث مسعد بولس المعلن عن ضرورة إبعاد الإخوان المسلمين من المشهد، ولم نسمع حينها للقاهرة صوتاً، فما الذي استجد؟ ما سبب الموقف المصري الجديد؟ وإلى أين تظن الحكومة المصرية أنها ستمضي به؟
تقول قرائن الأحوال أن “البرهان”، وبعد أن ذهب في رحلة قصيرة للملكة السعودية، والتقاءه الأمير “محمد بن سلمان” ومستشار الرئيس الأمريكي “مسعد بولس”، ذهب في زيارة رسمية إلى القاهرة. وصدر بيان الرئاسة المصرية المشار إليه أثناء وجود البرهان في القاهرة، وقبل رجوعه لبورتسودان.
ومما سبق، فليس من الصعوبة استنتاج أن البرهان نقل ما دار بينه و”بن سلمان” و”بولس” للرئيس المصري، ما أسفر عن موقف القاهرة الجديد.
وبالعودة للقاء التلفزيوني الذي بثته قناة “العربي” القطرية، فقد أكدت “أماني الطويل” أن “الجيش المصري لن يخرج خارج الحدود المصرية”، وحاولت أن تلين من لهجة البيان الجافة والواضحة بعبارات من قبيل أن “مصر ليست مع طرف ضد آخر في حرب السودان”. لكنها أشارت إلى شيء في غاية الأهمية، وهو أن طرفاً مما دار بين “البرهان” و”مسعد بولس” في الرياض، يتعلق بمصير قوات الجيش السوداني، والمليشيات المتحالفة معه حالياً، وأيهما يمكن دمجه في الجيش وأيهما لا يمكن. مع مناقشة تفاصيل عن وضعية القوات المسلحة – أي البرهان – في ظل الحكم المدني المقترح بعد وقف إطلاق النار، واكتمال العملية السياسية.
وهنا تفشي “الطويل” سر خوف القاهرة الذي تمخض فولد بياناً أخجل “الطويل” نفسها، فمضت تبحث له عن “مُبررات”، وتخفف من حدة لهجته، ما بدا أنه مهمة صعبة، باعتبار عبارات البيان القاطعة، والتي لا تدع هامشاً كبيراً لتعدد التأويلات.
ومن الواضح أن “البرهان” قد سمع من “مسعد بولس”، ما يُلزمه بإبعاد التنظيم الإخواني عن المؤسسة العسكرية، ما يعني عملياً إنهاء أي نفوذ فعلي للبرهان، حتى إن ظل قائداً للجيش. الشيء الذي أفزع القاهرة، لدرجة إخراج تصريحات تخرجها من ملة الرباعية التي تدعي الالتزام بمقرراتها، مع تهديد مبطن لقوات تحالف السودان التأسيسي، بينما تدعو الرباعية للتهدئة والهدنة ووقف إطلاق النار.
كشفت عبارات “الطويل” مكمن خوف النظام المصري وهو ألا يكون لهم موطئ قدم في مستقبل السودان، إذا تم إصلاح الجيش وفق ضوابط الحياد والمهنية، وان ينقطع الأنبوب الذي يغذي بلادهم من مياه وموارد ودماء السودانين.
ومن نافلة القول أن مصر التي دمرت البنية التحتية في السودان بطيرانها الحربي فأعادته قروناً إلى الخلف للتأكد من زيادة اعتماده عليها، وطمعاً في عقود إعادة الإعمار الدولارية التي تلي ذلك الدمار، ليست أحرص من السودانيين على وحدة بلادهم، ولا على مؤسساتهم التي لا يعنون بها سوى الجيش، وأن يكون على رأسه البرهان. وبما أن البرهان لا يستطيع الحياة إلا عبر أنبوب تغذية الحركة الإسلامية، فلم تجد القاهرة بأساً في إنكار وجودها داخل الجيش من الأساس.
تعرف مصر أن ارتهان الجيش السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين ليس هو حديث أمة “تأسيس” وحدها، ولا “صمود” وحدها، ولا “الرباعية” وحدها، ولا “مسعد بولس” منفرداً. وإن رأت مصر أن الجيش السوداني الحالي خالي من العيوب، فلتُقنع بموقفها هذا دول الرباعية طالما أكدت التزامها بمقرارتها.
أما التهديد المصري المبطن لتحالف السودان التأسيسي، فيكفي للرد عليه ارتباك الطويل نفسها حال مناقشة البيان، وإنكارها – تقريباً – ما ورد فيه بصريح العبارة، مؤكدة أن “الجيش المصري لن يخرج من حدوده”، وأن “مصر لن تتحرك منفردة ولن تخطو خطوة دون التوافق عليها من قبل دول الرباعية”، وأن “مصر ليست منحازة لأي طرف في صراع السودان”.
الحل السلمي لصراع السودان يطبخ على نار هادئة بمعرفة ومشورة ورضا السودانيين، والإخوان المسلمون خارج المعادلة، ولو قال “السيسي” أنهم مخلوقات ذات طبيعة مزدوجة، بقدرات خارقة، تمكنهم من الظهور والاختفاء حسب الطلب.
ويقع على مصر الرسمية بعد ذلك عبء إخراج “البرهان” وجيشه من معضلة “استخدام السلاح الكيميائي” الثابتة والموثقة، إن لم تر القاهرة أن تنكرها أيضاً، سعياً لتحسين موقفها التفاوضي مع بقية دول الرباعية.
السلام قادم للسودان مع إقرار هدنة انسانية وشيكة، تتيح لمواطنيه التقاط الأنفاس، والحركة الإسلامية إلى زوال، ولو كره المصريون.




