
سهيبة مريش .. نيالا
يُعدّ التغيير ضرورة تاريخية وحتمية اجتماعية لا غنى عنها لتطوير المجتمعات وبناء دولة العدالة والمساواة. غير أن التغيير الحقيقي لا يحدث عفويًا ولا يتحقق بالشعارات وحدها، بل هو عملية معقدة تتطلب وعيًا جماعيًا وتخطيطًا دقيقًا وإرادة صلبة، خاصة في بيئات تعج بالتحديات وتنتشر فيها محاولات التشويه والاختراق من قبل قوى الانتهازية والمصالح الضيقة.
ينطلق التغيير أولًا من الوعي، فالوعي هو الشرارة التي توقظ المجتمعات من سباتها، وتجعلها تدرك حجم الظلم والاختلالات التي تعيشها، وتدفعها للتفكير الجاد في سبل الخلاص. وبدون وعي حقيقي، يتحول التغيير إلى حالة فوضوية يسهل توجيهها أو اختطافها. لذلك فإن نشر الوعي السياسي والاجتماعي يمثل الأساس المتين لأي مشروع تغيير جاد ومستدام.
ولا يكتمل الوعي دون تخطيط محكم يحدد الأهداف بوضوح، ويرسم الوسائل والاستراتيجيات المناسبة لتحقيقها. فالتغيير ليس مجرد رغبة، بل مشروع متكامل يحتاج إلى رؤية، وإلى إدارة حكيمة للموارد البشرية والزمنية، وإلى قراءة دقيقة لموازين القوى ومواقع الخلل. كما أن التغيير الفعّال يجب أن يكون تشاركيًا، تشارك فيه كل فئات المجتمع دون إقصاء، لأن الشعوب هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التحول، وهي الضامن الأساسي لاستمراريته.
غير أن مسار التغيير لا يخلو من التضحيات، فقد يتطلب من الأفراد والمجتمعات بذل الوقت والجهد، بل وربما تقديم أثمان باهظة من المال والاستقرار، وفي بعض الأحيان من الأرواح نفسها. هنا يبرز دور الشرفاء الذين يحملون عبء التغيير بإخلاص وتجرد، ويواصلون الطريق رغم المخاطر والإغراءات. هؤلاء يجب أن يكونوا في قلب عملية التغيير، وأن يُمكَّنوا من المشاركة في صنع القرار، لا أن يُتركوا على الهامش بينما يتقدم الانتهازيون لقطف ثمار لم يزرعوها.
كثيرًا ما تظهر في لحظات التحول عناصر لم يكن لها أي دور حقيقي في صناعة التغيير، لكنها تستغل الظروف والانشغال الجماعي لتتسلل إلى مواقع النفوذ. هؤلاء يشكلون خطرًا حقيقيًا على مسار التغيير، لأنهم يعملون على تفريغه من مضمونه وتحويله إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية. من هنا تبرز أهمية حماية الشرفاء من الانتهاكات والمضايقات، وتقدير تضحياتهم معنويًا وسياسيًا، حتى لا يصبح الإخلاص عبئًا والانتهازية طريقًا مختصرًا للسلطة.
وحماية التغيير لا تتحقق إلا بوجود رقابة شعبية واعية، تتابع خطوات التحول وتقيّم الأداء، وتمنع الانحراف عن الأهداف المعلنة. كما أن الشفافية تمثل ركيزة أساسية، إذ لا يمكن بناء ثقة بين المجتمع وصناع التغيير دون وضوح في المعلومات، سواء ما يتعلق بالأهداف أو الوسائل أو النتائج. إلى جانب ذلك، تبقى المحاسبة أداة لا غنى عنها لإبعاد المفسدين والمتلاعبين، ومساءلة كل من يثبت تورطه في تجاوزات أو انتهاكات، حتى يكون شعار العدالة مطبقًا على من يصنعون التغيير قبل أن يُطلب من المواطنين الالتزام به.
ولكي ينجح هذا المسار، لا بد من توعية المجتمع بالمخاطر التي تهدد عملية التغيير، بما في ذلك المؤامرات ومحاولات الاختراق والالتفاف على المطالب الشعبية. فالمعرفة هنا تشكل خط الدفاع الأول ضد التضليل والخداع، وتحصّن المجتمعات من الوقوع في فخ إعادة إنتاج الأزمات.
إن التغيير ممكن وقابل للتحقق إذا توفرت الإرادة الصادقة، والوعي العميق، والتخطيط الدقيق. لكنه لن يكون بلا ثمن، ولن ينجح إذا تم تجاهل تضحيات من قدموا أرواحهم وجهدهم وصدقهم في سبيله. فالتاريخ لا يرحم المتسلقين، ولا ينصف إلا الشرفاء. وبالتكاتف واليقظة المستمرة، يمكن للمجتمع أن يحمي مشروع التغيير، ويدحر المندسين، ويؤسس لمستقبل أكثر عدلًا وكرامة للجميع.




