رأي

السودان على حافة الانهيار: أزمة السلام المفقود

أبو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

السودان اليوم يعيش واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في تاريخه الحديث، أزمة تتجاوز حدود الانقسامات العسكرية والسياسية، لتغوص في أعماق الجغرافيا والمجتمع والتاريخ. فالحديث عن حلول سطحية أو اتفاقات شكلية لن يعالج جوهر الأزمة، إذ لا يمكن اختزال الصراع السوداني في مجرد تفاهمات بين طرفين على طاولة واحدة. السلام الحقيقي يحتاج إلى قراءة دقيقة وشاملة لكل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس مجرد توقيع على ورقة رسمية تُضاف إلى أرشيف الاتفاقيات.

على المستوى الداخلي، المشهد السياسي لا يقتصر على مواجهة بين القوات المسلحة وقوى معينة، بل يمتد ليشمل الأحزاب السياسية، الحركات المسلحة، القوى الشبابية والمجتمعية، والمكونات القبلية المختلفة. أي محاولة لتقديم تسوية ضيقة تُغفل أصحاب المصلحة الحقيقيين ستعيد إنتاج الأزمة نفسها، وتزيد من شعور الشرائح المهمشة بالاستبعاد والظلم.

جغرافيا، تحمل مناطق السودان مثل دارفور وكردفان والشرق والوسط ذاكرة ثقيلة من النزاعات التاريخية والوعود غير المنجزة. تجاهل خصوصيات هذه الأقاليم ومطالب سكانها يعني أن أي اتفاق مركزي سيبقى هشًا، ولن يُترجم إلى واقع ملموس في حياة الناس، سواء من ناحية الأمن أو التنمية أو التمثيل السياسي.

على المستوى الاجتماعي، السودان فسيفساء واسعة من القبائل والمجموعات الإثنية، وقضايا الأرض ومسارات الرعي والصراع على الموارد تمثل جذورًا مباشرة للنزاع. أي اتفاق يُهمش هذه القضايا أو يكتفي بصياغة سياسية سطحية سيكون معرضًا للفشل، لأن السلم الاجتماعي يُبنى من القاعدة عبر آليات مصالحة عادلة وبنّاءة.

الخارج، لا يقل تعقيدًا عن الداخل. السودان محاط بمصالح إقليمية ودولية متشابكة، من البحر الأحمر إلى الموارد الطبيعية، ومن التدخلات الإقليمية إلى التنافس الدولي على النفوذ. هذا التداخل جعل أي مساعٍ للحل تتعرض لتضارب المصالح، وأصبح الملف الإنساني أداة ضغط سياسية بدلًا من أن يكون محور الاهتمام.

إن السلام في السودان ليس مجرد اتفاق شكلي، بل هندسة دقيقة تتطلب رؤية وطنية واعية، وفهمًا معمقًا لجذور الأزمة، وإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية، وتحجيم التدخلات الخارجية ضمن إطار وطني واضح. بدون هذه المعالجة، سيبقى “السلام” حلمًا بعيد المنال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!